تتجه التحقيقات الأوروبية في قضية القرصان الإلكتروني المعروف باسم جباروت إلى فرضيات جديدة بشأن هويته، في قضية أثارت اهتمام أجهزة الاستخبارات والأمن السيبراني في عدد من الدول، بينها المغرب وتونس وألمانيا وإسبانيا.
وبالنسبة إلى تونس، تبرز في هذه القضية معطيات سابقة قادت آثار رقمية إلى مهندس معلوماتية تونسي يقيم في ألمانيا، لكن هذه الفرضية لم تتحول إلى إثبات قضائي بأن الشخص المذكور هو صاحب الحساب أو القرصان الذي يقف وراء عمليات الاختراق.
ووفق التحقيق الذي نشرته صحيفة إل موندو الإسبانية،اليوم 26 أوت 2026 فإن أجهزة استخبارات أوروبية تدرس حالياً فرضية مختلفة، مفادها أن جباروت قد لا يكون مجموعة قراصنة، وإنما شخص واحد يعمل بصورة منفردة، فيما رجحت شركة الأمن السيبراني الإسبانية نافاك إنتليجنس أن يكون صاحب هذه العمليات شخصاً سبق له العمل داخل أجهزة الاستخبارات المغربية.
الاسم المستعار الذي يقود إلى تونس
تعود أهمية المسار التونسي إلى التحقيق في عملية اختراق استهدفت الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المغربي سنة 2025.
فخلال تتبع الآثار الرقمية، ظهر الاسم المستعار ثلاثة إن ستة إم أربعة، وهو الاسم نفسه الذي استخدم على منصة غيت هاب، قبل أن يقود تتبع نشاطه في تقارير سابقة إلى فرضية وجود مهندس معلوماتية وأمن سيبراني تونسي مقيم في ألمانيا.
غير أن هذه المعطيات بقيت في إطار التتبع الرقمي ومصادر المعلومات المفتوحة، ولم تقدم دليلاً قضائياً حاسماً على أن التونسي هو الشخص الذي يقف وراء جباروت.
واللافت أن التحقيق الجديد أعاد الاسم المستعار نفسه إلى الواجهة، بعدما قالت شركة سيبل أنجل إنها رصدت صلات بين أسماء مختلفة استخدمت في نشاط جباروت والاسم الرقمي ثلاثة إن ستة إم أربعة.
وهنا تبرز المفارقة: الأثر الرقمي نفسه الذي قاد في وقت سابق إلى فرضية شخص تونسي في ألمانيا، أصبح اليوم جزءاً من مسار تحقيق أوسع يبحث في احتمال وجود عميل مغربي سابق يعيش في ألمانيا.
لماذا ظهرت فرضية العميل المغربي السابق؟
بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، فإن طبيعة المعلومات التي تم الوصول إليها وحجمها أثارا تساؤلات حول قدرة قرصان عادي على اختراق هذا المستوى من الأنظمة والبيانات.
ومن هنا ظهرت فرضية أن الشخص قد يكون موظفاً أو ضابط استخبارات مغربياً سابقاً يمتلك معرفة دقيقة بالبنية الداخلية للأجهزة الأمنية وأنظمة المعلومات، قبل أن يغادر المغرب ويواصل نشاطه من ألمانيا.
وتستند هذه الفرضية إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى بعض البيانات الداخلية لا يتطلب فقط مهارات تقنية متقدمة، بل ربما معرفة سابقة بالأنظمة والصلاحيات والأشخاص والهياكل التي تتعامل معها أجهزة الأمن والاستخبارات.
لكن هذه النقطة تظل فرضية استخباراتية قيد التحقيق وليست حقيقة مثبتة قضائياً.
أسماء عملاء مغاربة في البيانات المسربة
وتزداد القضية حساسية بسبب ظهور أسماء حقيقية في الملفات التي جرى تسريبها وتداولها عبر تطبيق تلغرام.
وبحسب التحقيق الإسباني، تعمل أجهزة استخبارات أوروبية على التحقق من الأسماء والبيانات الواردة في الملفات، بما في ذلك معلومات مرتبطة بعملاء مغاربة سبق أن عملوا في دول أوروبية.
وتشير المعطيات الأولية، وفق المصدر نفسه، إلى أن عدداً من الأسماء يبدو حقيقياً، وأن بعض الأشخاص الواردة أسماؤهم معروفون بالفعل لدى أجهزة استخبارات أوروبية.
غير أن حجم البيانات المسربة، الذي يقدر بعدة غيغابايت، يجعل عملية التحقق منها وتحليلها تستغرق وقتاً طويلاً، كما أن بعض القوائم تبدو قديمة وغير محدثة.
مهدي حجاوي.. اسم بارز في الملفات
ومن بين الأسماء التي ظهرت في أحد ملفات إكسل المسربة، وفق التحقيق، مهدي حجاوي، الذي تصفه الصحيفة بأنه مسؤول سابق في الاستخبارات الخارجية المغربية، أي المديرية العامة للدراسات والمستندات.
وتربط المعطيات المنشورة حجاوي بفؤاد عالي الهمة، مستشار الملك محمد السادس، كما تشير إلى أنه كان طرفاً في صراع داخل أجهزة الاستخبارات المغربية، قبل أن يغادر البلاد ويمر عبر فرنسا ثم يصل إلى إسبانيا سنة 2024.
وتقول الرواية التي تنقلها الصحيفة إن حجاوي كان مهدداً بالتسليم قبل أن يختفي، غير أن هذه المعطيات بدورها تدخل في إطار التحقيق الصحفي والاستخباراتي الجاري، ولا تعني أن الشخص المذكور هو صاحب جباروت.
أين تقف تونس في هذه القضية؟
إن أهم ما في القضية ليس القول إن «تونسيّاً يقف وراء اختراق أجهزة الأمن المغربية»، لأن المعطيات المنشورة لا تسمح بهذا الاستنتاج.
المؤكد فقط أن مساراً سابقاً للتحقيق قاد عبر الاسم المستعار ثلاثة إن ستة إم أربعة إلى فرضية شخص تونسي يقيم في ألمانيا، بينما يطرح التحقيق الأحدث فرضية أخرى أكثر تعقيداً، تتمثل في احتمال أن يكون صاحب جباروت عميلاً مغربياً سابقاً يمتلك خبرة داخلية في أجهزة الاستخبارات، ويقيم أو ينشط من ألمانيا.
وبالتالي، فإن الهوية الحقيقية لصاحب جباروت لا تزال غير محسومة، فيما تتقاطع في القضية آثار رقمية تقود إلى ألمانيا واسم مستعار واحد وفرضيات متعددة حول علاقة محتملة بالاستخبارات المغربية.
ويبقى السؤال الأبرز الذي تطرحه التحقيقات الأوروبية: هل نحن أمام قرصان تونسي تتبعت آثاره الرقمية إلى ألمانيا، أم أمام عنصر مغربي سابق استخدم خبرته داخل أجهزة الدولة لتنفيذ عمليات الاختراق من الخارج؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية.
*** أبرز الهجمات المنسوبة لجابروت
أوت 2026: لوّحت المجموعة بنشر قوائم ضخمة ومعلومات حساسة تتعلق بأوامر مهمات وأنشطة استخباراتية مغربية.
أفريل 2025: أعلنت المجموعة عبر قناتها على تلغرام اختراق موقع وزارة التشغيل المغربية وتسريب بيانات تخص آلاف العمال.
جوان 2025: ادعت الاستيلاء على آلاف الغيغابايتات من قاعدة بيانات السجل العقاري، والاختراق المزعوم لقواعد بيانات وزارة العدل والحصول على معلومات تخص القضاة.
