أثارت مبادرة عدد من نواب مجلس نواب الشعب لدعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى عرض السياسة العامة للدولة أمام البرلمان جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب رفض تسجيل اللائحة التي تضمنت هذه الدعوة، وإنما بسبب التساؤلات التي رافقت القرار: هل يتعلق الأمر بإجراء إداري عادي؟ أم أن خلفه قراءة قانونية ودستورية مختلفة لطبيعة العلاقة بين رئاسة الجمهورية والسلطة التشريعية؟
فقد أعلن النائب حمدي بن صالح أن مكتب الضبط بمجلس نواب الشعب رفض تسجيل اللائحة الموقعة من عدد من النواب وإحالتها إلى مكتب المجلس، مؤكداً أنه حاول الحصول على توضيحات من رئيس البرلمان إبراهيم بودربالة حول أسباب هذا الرفض.
مبادرة تستند إلى الفصل 100 من الدستور
اللائحة البرلمانية استندت إلى الفصل 100 من دستور 25 جويلية 2022، الذي ينص على أن رئيس الجمهورية يحدد السياسة العامة للدولة ويضبط اختياراتها الأساسية ويعلم بها مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
وانطلاقاً من هذا الفصل، اعتبر النواب الموقعون أن من حق المؤسسة التشريعية أن تُطلع على التوجهات الكبرى للدولة، وأن تتم مناقشة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية في إطار جلسة عامة يحضرها رئيس الجمهورية.
وأكد أصحاب المبادرة أن دعوتهم لا تهدف إلى ممارسة رقابة سياسية على رئيس الدولة، ولا تمس بصلاحياته الدستورية، وإنما تسعى، حسب تقديرهم، إلى تفعيل مقتضى دستوري وجعل العلاقة بين مؤسسات الدولة قائمة على الحوار والتفاعل.
هل يفرض الفصل 100 حضور رئيس الجمهورية؟
في المقابل، يطرح رفض إحالة اللائحة سؤالاً قانونياً أساسياً: هل يمنح الفصل 100 البرلمان حق دعوة رئيس الجمهورية للحضور وتقديم عرض أمامه؟ أم أن الفصل يكتفي بإلزام رئيس الدولة بإعلام البرلمان بالسياسة العامة دون أن يرتب عليه التزاماً بالمثول أمام النواب؟
فالقراءة الأولى، التي يتبناها أصحاب المبادرة، ترى أن إعلام البرلمان بالسياسة العامة لا يمكن أن يكون مجرد إجراء شكلي، بل يفترض وجود مساحة للنقاش والتفاعل، باعتبار أن النواب يمثلون الشعب ولهم دور في مناقشة القضايا الوطنية الكبرى.
أما القراءة الثانية، فقد ترى أن الفصل 100 يحدد واجب الإعلام فقط، ولا ينص صراحة على آلية إلزام رئيس الجمهورية بالحضور إلى جلسة عامة أو الخضوع لنقاش برلماني حول اختياراته، خاصة في ظل طبيعة النظام السياسي الذي جاء به دستور 2022 والذي منح رئيس الجمهورية موقعاً محورياً في رسم السياسات العامة.
هل يملك رئيس المجلس صلاحية رفض تسجيل اللائحة؟
النقطة القانونية الثانية التي أثارت الجدل تتعلق بصلاحيات مكتب الضبط ورئيس مجلس نواب الشعب.
فوفق رواية النائب حمدي بن صالح، فإن اللائحة لم تصل أصلاً إلى مكتب المجلس، بعد رفض تسجيلها وإحالتها. وهنا يبرز السؤال: هل يملك مكتب الضبط صلاحية تقدير مضمون المبادرات البرلمانية ورفض تسجيلها؟ أم أن دوره يقتصر على استقبال الوثائق وإحالتها وفق الإجراءات المعمول بها؟
ويرى منتقدو القرار أن الأصل في العمل البرلماني هو تسجيل المبادرات ثم ترك النقاش حول مدى دستوريتها أو قانونيتها داخل هياكل المجلس المختصة.
في المقابل، قد يستند المدافعون عن القرار إلى أن بعض المبادرات التي تتعلق بعلاقة البرلمان برئيس الجمهورية يجب أن تراعي الحدود الدستورية للصلاحيات، وأن رئيس المجلس يمكن أن يتدخل عندما يرى أن الإجراء المقترح يتجاوز الإطار المنظم للعلاقة بين المؤسسات.
بين استقلال البرلمان وصلاحيات رئيس الجمهورية
القضية تتجاوز شخصي إبراهيم بودربالة أو النواب الموقعين على اللائحة، لتطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة النظام السياسي الحالي في تونس.
فمن جهة، هناك من يرى أن البرلمان يجب أن يكون فضاءً للنقاش حول السياسات العامة، وأن إعلامه بخيارات الدولة يفترض حواراً وتفاعلاً.
ومن جهة أخرى، هناك من يعتبر أن دستور 2022 أعاد رسم التوازن بين المؤسسات، وجعل رئيس الجمهورية صاحب الدور الأساسي في تحديد السياسة العامة للدولة، دون أن يعني ذلك بالضرورة خضوعه لنقاش برلماني مباشر.
غياب التوضيح الرسمي يزيد الجدل
وإلى حد الآن، تبقى رواية النائب حمدي بن صالح بشأن أسباب رفض تسجيل اللائحة دون رد رسمي معلن من رئيس مجلس نواب الشعب أو من إدارة المجلس يوضح الأساس القانوني والإجرائي لهذا القرار.
وبانتظار توضيح رسمي، تحولت هذه القضية إلى اختبار جديد لتأويل أحكام دستور 2022، وخاصة الفصل 100 منه، ومدى قدرة المؤسسات على إيجاد صيغة عملية للتعاون بينها.
فهل كان رفض إحالة اللائحة قراراً إدارياً يستند إلى قراءة دستورية؟ أم أنه يمثل تضييقاً على حق البرلمان في مناقشة السياسة العامة للدولة؟ سؤال سيبقى مطروحاً إلى حين صدور توضيحات قانونية أكثر دقة.



