أثار التراجع الحاد الذي شهده مؤشر توننداكس وتفعيل آلية « قاطع الدائرة » نقاشاً واسعاً بين المختصين، بعد أن أصدرت شركة الوساطة بالبورصة شركة « ماك للخدمات المالية والاستشارات » مذكرة اعتبرت فيها أن ما جرى لا يعدو أن يكون « تصحيحاً فنياً صحياً ومنظماً » عقب الارتفاعات القياسية التي سجلتها السوق خلال الأشهر الماضية.
غير أن الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي قدّم قراءة مختلفة لهذا التحليل، معتبراً أن الاقتصار على التفسير المالي لا يكفي لفهم ما حدث، وأن ما شهدته البورصة يعكس أيضاً مخاوف مرتبطة بالوضع الاقتصادي والتشريعي، وفي مقدمتها المرسوم عدد 148.
لماذا بدت قراءة شركة « ماك للخدمات المالية والاستشارات » مطمئنة؟
انطلقت MAC SA من منطق الأسواق المالية، فرأت أن تراجع المؤشر جاء بعد صعود تجاوز 80 بالمائة خلال عام، وأن استمرار أحجام التداول يؤكد أن السوق لم تدخل مرحلة انهيار أو ذعر، بل تمر بمرحلة جني أرباح وتصحيح للأسعار.
وهذه القراءة تنسجم مع طبيعة عمل شركات الوساطة بالبورصة، التي تركز على تطور الأسعار والسيولة والنتائج المالية للشركات المدرجة، وتقدم تحليلاتها انطلاقاً من مؤشرات السوق.
ولا يعني ذلك أن هذا التحليل غير صحيح، وإنما يعكس زاوية نظر مالية تركز على حركة السوق في الأجل القصير.
رضا الشكندالي: الاقتصاد أوسع من شاشة التداول
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن التحليل الاقتصادي لا يقتصر على الرسوم البيانية أو الأرباح الفصلية، بل يربط أداء البورصة بمناخ الأعمال والسياسات الاقتصادية والتشريعات وثقة المستثمرين.
ويعتبر الشكندالي أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت أسعار الأسهم انخفضت بسبب عمليات جني الأرباح، وإنما بما إذا كانت البيئة الاقتصادية أصبحت أكثر خطورة بالنسبة للمستثمرين.
ومن هذا المنطلق، فإن الأرباح القياسية التي حققتها البنوك لا تكفي وحدها للحكم على سلامة الاقتصاد، إذا كانت نسبة معتبرة منها مرتبطة بتوظيفات مالية أو بتمويل الدولة أكثر من ارتباطها بتمويل الاستثمار المنتج.
المرسوم عدد 148… العامل الذي تجاهله التحليل المالي؟
بحسب قراءة رضا الشكندالي، فإن توقيت تراجع السوق جاء مباشرة بعد صدور المرسوم عدد 148 الذي يلزم البنوك بتخصيص 8% من أرباحها لتمويل قروض دون فوائد.
ويرى أن المستثمرين قرأوا هذا الإجراء باعتباره مؤشراً على احتمال تراجع الأرباح المستقبلية للبنوك، وارتفاع المخاطر الائتمانية نتيجة غياب الضمانات، وهو ما قد يفرض مستقبلاً تكوين مخصصات إضافية لمواجهة الديون المتعثرة.
ومن ثم، فإن الانخفاض الذي شهدته البورصة قد لا يكون مجرد « تصحيح فني »، بل قد يعكس أيضاً إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بالإطار التشريعي الجديد.
اختلاف في المنهج لا في الوقائع
في جوهر النقاش، لا يختلف رضا الشكندالي وشركة « ماك للخدمات المالية والاستشارات حول الوقائع، وإنما حول طريقة قراءتها.
فشركة الوساطة تعتمد على التحليل المالي الذي يركز على الأسعار والسيولة والنتائج الفصلية، بينما يعتمد الشكندالي على التحليل الاقتصادي الذي يربط أداء السوق بمناخ الاستثمار، واستقرار التشريعات، وآفاق النمو.
وبالتالي، قد يكون التراجع الحالي جزءاً من حركة تصحيح فني، لكنه قد يكون أيضاً رسالة من السوق تعكس مخاوف المستثمرين من تأثير القرارات التشريعية على ربحية البنوك ومستوى الثقة في الاقتصاد.
الخلاصة
يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن اختزال ما جرى في بورصة تونس في عبارة « تصحيح فني » لا يقدم الصورة الكاملة، لأن الأسواق المالية لا تتحرك فقط وفق الرسوم البيانية، بل تتفاعل أيضاً مع البيئة الاقتصادية والتشريعية وتوقعات المستثمرين.
وفي المقابل، تدافع شركة « ماك للخدمات المالية والاستشارات » عن قراءة مالية تعتبر أن السوق ما تزال تحتفظ بأساسيات قوية وأن التراجع الحالي يبقى مندرجاً ضمن حركة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود استثنائية.
ويبقى تقييم ما إذا كان هذا التراجع مجرد استراحة مؤقتة أم بداية إعادة تسعير للمخاطر رهيناً بما ستكشفه الأشهر المقبلة من تطورات اقتصادية وتشريعية ومالية.



