يعيش الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، منذ سنة 2024، أزمة مالية واجتماعية خانقة، على خلفية عدم صرف المستحقات المالية المرصودة لفائدته، وفق ما ورد في عريضة وجّهها موظفون بالاتحاد إلى رئيسة الحكومة، مع توجيه نسخة منها إلى رئاسة الجمهورية، بتاريخ 10 جويلية 2026، للمطالبة بتسوية وضعيتهم وصرف مستحقاتهم.
وبحسب مضمون العريضة، فإن نحو مائة موظف بالاتحاد وجدوا أنفسهم في مواجهة أوضاع اجتماعية متدهورة، في ظل تأخر صرف المستحقات المالية وما يرافقه من مخاوف بشأن مواصلة صرف أجورهم، دون أن يتلقوا، إلى حدّ اليوم، ردا على مراسلتهم، وفق ما أكده أصحاب النداء.
وتشير المعطيات الواردة في الرسالة إلى أن الأزمة لا تخص اتحاد الأعراف وحده، بل تشمل كذلك المنظمات الوطنية الثلاث الأخرى ذات المصلحة العمومية، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد الوطني للمرأة التونسية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، التي تواجه، بحسب العريضة، صعوبات مماثلة في الحصول على مستحقاتها المالية.
اعتمادات مرصودة وأموال لا تصل إلى مستحقيها
وتكمن المفارقة، وفق ما أورده الموظفون، في أن ميزانية الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية تُقدّر بنحو 9 ملايين دينار سنويا على المستوى الوطني، في حين تتواصل الأزمة منذ سنة 2024 رغم أن الاعتمادات المعنية مرصودة في إطار قانون المالية.
وتعود آلية تمويل الاتحاد، بحسب الرسالة، إلى القانون عدد 101 لسنة 1974، الذي ينظم مساهمة المؤسسات وأصحاب البطاقات المهنية في تمويله، عبر نسبة تبلغ 0.5 بالمائة من مجموع الأجور المعتمدة في احتساب مساهمات الضمان الاجتماعي. وتتولى مصالح الدولة، وفق المعطيات المقدمة، الوساطة في تحويل هذه الأموال من الجهات المعنية إلى الاتحاد.
غير أن أصحاب العريضة يؤكدون أن الإشكال لا يتعلق فقط برصد الاعتمادات، بل بعدم صرفها رغم إدراجها في الميزانية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن أسباب تعطّل التحويلات المالية والجهة المسؤولة عن معالجة هذا الوضع.
خلاف بشأن العهدة الانتخابية
ومن بين المسائل التي تطرحها الرسالة، ما تعتبره الحكومة، وفق رواية الموظفين، إشكالا مرتبطا بتجاوز المكتب التنفيذي للاتحاد عهدته الانتخابية.
فقد انتُخب المكتب التنفيذي الحالي في بداية سنة 2018، وكان من المفترض، وفق ما جاء في العريضة، تنظيم مؤتمر وطني جديد في نوفمبر أو ديسمبر 2022، غير أن ذلك لم يحصل إلى اليوم.
ويشير الموظفون إلى أن هذا الخلاف أصبح، في نظرهم، سببا في استمرار تعطّل صرف المستحقات، بينما يجد العاملون أنفسهم عالقين بين موقف الحكومة وموقف قيادة الاتحاد، دون حل يضمن استقرارهم المهني والاجتماعي.
ويحمّل أصحاب النداء أعضاء المكتب التنفيذي مسؤولية عدم بذل جهود كافية، بحسب تقديرهم، للضغط من أجل تسوية الأزمة، معتبرين أن انعكاساتها الأكبر تقع على الموظفين الذين لا يملكون، في أغلب الحالات، موارد مالية بديلة تتيح لهم مواجهة تأخر الأجور.
أجور بين 800 و1500 دينار ومخاوف من توقف الرواتب
وتسلط العريضة الضوء على الوضع الاجتماعي لموظفي الاتحاد، مشيرة إلى أن أغلبهم يتقاضون أجورا تتراوح بين 800 و1500 دينار شهريا، وهي مبالغ يقول أصحاب النداء إنها لا تسمح لكثير منهم بتحمل فترة طويلة من عدم الاستقرار المالي.
ويعتبر الموظفون أن استمرار الأزمة يهدد قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم العائلية والمعيشية، خاصة مع تزايد المخاوف من عدم صرف الرواتب، في وقت لم يتلقوا فيه، بحسب رسالتهم، أي تطمينات جدية بشأن موعد إنهاء الأزمة.
كما عبّروا عن استيائهم مما وصفوه بغياب التحرك الفعلي من الأطراف المعنية، سواء على مستوى السلطة التنفيذية أو داخل المنظمة، رغم أن استمرار الأزمة يمس مباشرة العاملين الذين يتولون تسيير مصالح الاتحاد وخدمة منظوريه.
أسئلة بشأن الرقابة والمساءلة
وتطرح القضية، وفق ما ورد في العريضة، تساؤلات بشأن دور الهياكل الرقابية والقضائية في متابعة ملف المستحقات المالية للمنظمات الوطنية، خاصة في ظل الحديث عن اعتمادات مرصودة قانونيا لم يقع صرفها، بحسب أصحاب النداء.
ويطالب الموظفون، عمليا، بتوضيح أسباب تعطّل التحويلات، وتحديد المسؤوليات، ووضع جدول زمني واضح لصرف المستحقات وضمان استقرار الأجور.
وبين الاعتمادات المرصودة والأجور المهددة، يجد نحو مائة موظف بالاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أنفسهم في انتظار إجابة عن مطلب رفعوه منذ 10 جويلية 2026 إلى رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية.
ويبقى السؤال المطروح: كيف يستمر تعطّل صرف مستحقات منظمة وطنية منذ سنة 2024، بينما يتحمل الموظفون، الذين تتراوح أجور أغلبهم بين 800 و1500 دينار، الكلفة الاجتماعية لأزمة لم يجدوا إلى اليوم طريقا واضحا للخروج منها؟
