الرئيسيةأخبار تونسمكاشفة صادمة من وزارة المالية: حرب الطاقة والغذاء العالمية تلتهم ميزانية تونس...

مكاشفة صادمة من وزارة المالية: حرب الطاقة والغذاء العالمية تلتهم ميزانية تونس مبكراً!

من يقرأ التقرير الرسمي لتنفيذ السداسي الأول من ميزانية 2026، الذي أرسلته وزارة المالية على عجل إلى مجلس نواب الشعب، يدرك فوراً أن الحكومة قررت أخيراً اتباع سياسة « المكاشفة بصوت عالٍ ». التقرير الذي اطلعت تونيزي تلغراف على تفاصيله الكاملة، يمتد على 36 صفحة بالتمام والكمال، ولا يمثل مجرد جرد حساب تقليدي، بل هو « المرآة » التي رأت فيها الوزارة عيوب واقعها المالي الحالي، لتصيغ على أساسها فرضيات ميزانية العام القادم 2027، والتي ستوضع غداً الأربعاء 7 أكتوبر 2026 على طاولة التشريح أمام لجنة المالية بالبرلمان.

المفارقة الممتعة والمقلقة في آن واحد داخل هذه الصفحات الـ 36، هي كيف تحاول الدولة القفز من واقع كبّلته الأرقام في 2026 إلى طموحات مرسومة بحذر لعام 2027.

معركة النفط: من صفعة الحرب الإقليمية إلى « التحوط » الحذر

في ملف الطاقة، تبدو المقارنة بين العامين أشبه بدرس قاسي استوعبته الوزارة جيداً:

  • في النصف الأول من 2026: استيقظت الميزانية على كابوس حقيقي. فقد بنيت التوقعات على سعر برميل « برنت » بـ 63.3 دولار، لكن اندلاع الحرب على إيران مطلع العام بعثر كل الأوراق، وقفز بالأسعار العالمية لتقضم 35.7% من مخصصات الدعم في بضعة أشهر، خاصة مع استمرار النزيف في إنتاج تونس المحلي من النفط والغاز.
  • في فرضيات 2027: هنا اختفى التفاؤل المفرط. التقرير يكشف أن الوزارة صاغت فرضيات العام القادم بناءً على قراءة واقعية ومقارنة بين أربعة تقديرات دولية، حيث تتوقع تأرجح الأسعار بين 65 دولاراً (توقعات وكالة الطاقة الأمريكية) و74 دولاراً (صندوق النقد الدولي) وصولاً إلى 77 دولاراً (العقود الآجلة).

الحكومة تقول بوضوح في مشروعها الجديد إنها لا تراهن على انفراجة سحرية، بل تبني حساباتها على سعر برميل أعلى بنسبة تصل إلى 21% مقارنة بفرضية 2026، مستندة إلى أن نمو الإمدادات من خارج تحالف أوبك+ قد يضمن عدم اشتعال الأسعار فوق عتبة الـ 80 دولاراً.

كلفة رغيف الخبز: أسعار جوان تطارد ميزانية العام القادم

لم يكن ملف الحبوب بأفضل حالاً من الطاقة، فالتغيرات المناخية التي سُجلت كنقطة ضعف بارزة في التقرير، تُرجمت إلى أرقام قاسية:

  • واقع 2026 الفعلي: التقرير يوثق بالرسم البياني كيف جنحت أسعار القمح اللين عالمياً لتسجل ذروتها في ماي 2026 عند 303 دولارات للطن، قبل أن تستقر نسبياً في جوان عند 286 دولاراً. هذا الارتفاع جعل كلفة الغذاء تلتهم نصيب الأسد من نفقات التدخلات الاجتماعية التي استحوذت على 26% من إجمالي مصاريف الدولة.
  • طموح 2027: اعتمدت الوزارة أرقام البنك الدولي التي تضع سعراً متوقعاً للقمح بين 260 و291 دولاراً للطن.

هذه المقارنة تخبرنا أن تونس تتأهب للاستيراد في 2027 بأسعار مرتفعة تقارب مستويات الأزمة الحالية، وهو ما يعني أن فاتورة الدعم لن تنخفض، وأن الرهان سيبقى معلقاً على قدرة الدولة في تحصيل موارد بديلة لتغطية هذا الفارق.

فخ الأرقام الهيكلية: هل تنجح مشاريع التنمية في انتزاع نصيبها؟

هنا تكمن العقدة الأكبر والمواجهة الحقيقية التي سينظر فيها النواب غداً. التقرير المكون من 36 صفحة يضع إصبعاً على الجرح ويظهر التناقض الصارخ بين الإنفاق الفعلي والخطط المستقبلية:

  • المؤشرات الحالية الصادمة: حتى موفى جوان 2026، سارت عجلات الميزانية باتجاهين متناقضين؛ فبينما التهمت نفقات التمويل (فوائد الديون) 51.8% من مخصصاتها، وبقيت كتلة الأجور مستحوذة على 49% من هيكل المصاريف الكلي، أصيبت نفقات التنمية والاستثمار بشلل شبه تام ولم تتجاوز نسبة إنجازها 21.2%. الدولة حرفياً تدفع لأجورها وديونها القديمة وتضحي بالمستقبل.
  • وعود عام 2027: في المقابل، يتحدث مشروع 2027 بنبرة طموحة عن انطلاق « المخطط التنموي الخماسي » والتركيز على الاقتصاد الأخضر، ومشاريع الطاقات المتجددة، وتثمين الثروات الوطنية كالفوسفاط، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.

المقارنة الفلسفية للأرقام تطرح سؤالاً بشرياً بسيطاً: كيف لبلد عجز عن صرف أكثر من خمس ميزانيته التنموية في 2026 بسبب شح الموارد وتمدد الاقتصاد الموازي، أن يجد التمويل الكافي لثورة استثمارية وخضراء في 2027؟

كلمة فصل

التقرير الذي بين أيدينا يؤكد أن ميزانية 2027 كُتبت بعين ترتعد من أرقام واقع 2026، وعين أخرى تحلم بحلول الرقمنة والفسفاط والامتثال الجبائي. غداً الأربعاء تحت قبة البرلمان، لن يكون مطلوباً من لجنة المالية مجرد مناقشة أرقام صماء، بل الإجابة على السؤال الصعب: كيف نحول « الحلول النظرية » الموزعة بين صفحات التقرير الـ 36 إلى واقع يحمي جيب المواطن وسيادة البلاد، حتى لا تبتلع الديون والأجور أحلام التنمية في العام القادم؟

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى