أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد الأشخاص الذين أجبروا على النزوح بسبب الحروب والعنف والاضطهاد في مختلف أنحاء العالم بلغ 117,8 مليون شخص مع نهاية سنة 2025، مسجلا أول انخفاض منذ أكثر من عشر سنوات.
ورغم ما يحمله هذا المعطى من مؤشرات إيجابية على الصعيد الدولي، فإن انعكاساته على تونس تبدو أكثر تعقيدا من مجرد قراءة رقمية توحي بانحسار الظاهرة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأمم المتحدة عن تراجع عدد النازحين بمقدار 5,4 ملايين شخص مقارنة بسنة 2024، تواصل تونس مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية المحيطة بها، باعتبارها إحدى أبرز دول العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
السودان والساحل.. بؤر نزوح قريبة من تونس
تكشف بيانات المفوضية أن السودان تصدر قائمة الدول المولدة للاجئين خلال سنة 2025، بأكثر من 952 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من بلادهم، تليه أوكرانيا وفنزويلا وجنوب السودان وبوركينا فاسو وأفغانستان ومالي.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، لأن جزءا مهما من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يصلون إلى شمال أفريقيا ينحدرون من دول الساحل الأفريقي والسودان، وهي مناطق لا تزال تعيش على وقع نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية متواصلة.
ومع استمرار عدم الاستقرار في مالي وبوركينا فاسو والسودان، يتوقع مراقبون أن تبقى الضغوط المرتبطة بالهجرة قائمة في تونس خلال السنوات المقبلة، حتى وإن سجلت الإحصائيات العالمية تراجعا نسبيا في أعداد النازحين.
تونس في قلب المعادلة المتوسطية
خلال السنوات الأخيرة تحولت تونس إلى إحدى أهم نقاط العبور للمهاجرين غير النظاميين الراغبين في الوصول إلى أوروبا، وهو ما جعل ملف الهجرة يحتل موقعا متقدما في علاقاتها مع الشركاء الأوروبيين.
ويأتي تقرير المفوضية الأممية في وقت تتواصل فيه النقاشات الأوروبية بشأن إدارة تدفقات الهجرة واللجوء، وسط توجه متزايد لدى بعض الدول الغربية نحو تشديد سياسات الاستقبال وتقليص برامج إعادة التوطين.
ويخشى متابعون من أن يؤدي هذا التوجه إلى زيادة الضغوط على دول العبور الواقعة على الضفة الجنوبية للمتوسط، ومن بينها تونس، التي تجد نفسها أمام تحديات أمنية وإنسانية وتنموية متشابكة.
انخفاض الأرقام لا يعني نهاية الأزمة
ورغم إعلان المفوضية عن عودة أكثر من 14,7 مليون نازح ولاجئ إلى بلدانهم خلال سنة 2025، فإن المنظمة الأممية نفسها حذرت من أن العديد من هذه العودة تمت في ظروف صعبة، وفي بلدان لا تزال تعاني من انعدام الأمن وضعف الخدمات الأساسية.
ويعني ذلك أن جزءا من هذه التحركات السكانية قد يظل قابلا للانعكاس مستقبلا إذا ما تجددت الصراعات أو تدهورت الأوضاع الاقتصادية والأمنية في بلدان المنشأ.
كما تشير المعطيات الأممية إلى أن نحو 9 ملايين شخص ما زالوا ينتظرون البت في طلبات اللجوء الخاصة بهم عبر العالم، وهو رقم يعكس استمرار الضغوط على منظومة الحماية الدولية رغم الانخفاض المسجل في إجمالي أعداد النازحين.
تحديات وفرص
وبالنسبة إلى تونس، فإن استمرار الاهتمام الدولي بملف النزوح والهجرة قد يفتح المجال أمام مزيد من برامج التعاون والدعم مع المنظمات الدولية والشركاء الأوروبيين، خاصة في مجالات إدارة الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتحسين ظروف المهاجرين واللاجئين.
غير أن الخبراء يؤكدون أن معالجة الظاهرة بشكل مستدام تظل مرتبطة أساسا بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والتنموي في دول المنشأ، وخاصة في السودان ومنطقة الساحل الأفريقي، حيث تتشكل اليوم أبرز موجات النزوح التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على تونس ومجمل منطقة المتوسط.
وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن أول تراجع عالمي في أعداد النازحين منذ عقد كامل، يبقى السؤال المطروح بالنسبة إلى تونس: هل يمثل ذلك بداية انفراج حقيقي في ملف الهجرة، أم مجرد هدنة مؤقتة في أزمة لا تزال أسبابها العميقة قائمة؟



