الرئيسيةآخر الأخبارسيدي بوسعيد دخلت التراث العالمي.. لكن أمام تونس مهلة إلى 1 ديسمبر...

سيدي بوسعيد دخلت التراث العالمي.. لكن أمام تونس مهلة إلى 1 ديسمبر 2027 لمواجهة «السياحة المفرطة»

لم يكن إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لليونسكو نهاية قصة طويلة من الترشح والانتظار، بل يبدو أنه بداية مرحلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى تونس: كيف تحافظ على القرية التي أصبحت الآن تراثاً عالمياً، من دون أن تتحول شهرتها الدولية إلى عامل يهددها؟

ففي القرار الذي اعتمدته لجنة التراث العالمي خلال دورتها الثامنة والأربعين في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، لم تكتف اليونسكو بإدراج «قرية سيدي بوسعيد» رسمياً على قائمة التراث العالمي، بل أرفقت القرار بسلسلة من التوصيات المتعلقة بكيفية حماية الموقع وإدارته خلال السنوات المقبلة.

ومن بين هذه التوصيات نقطة قد تكون الأقل حضوراً في الاحتفاء التونسي بالإدراج، لكنها من أكثرها أهمية بالنسبة إلى مستقبل القرية: إجراء دراسة لتحديد القدرة الاستيعابية لسيدي بوسعيد، ووضع استراتيجية سياحية وخطة لإدارة السياحة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تغيير النموذج السياحي لمواجهة مخاطر «السياحة المفرطة».

بمعنى آخر، فإن اليونسكو لا تقول لتونس إن سيدي بوسعيد يجب أن تستقبل مزيداً من السياح لمجرد أنها أصبحت موقعاً للتراث العالمي، وإنما تطرح السؤال الأصعب: كم تستطيع القرية أن تستقبل من الزوار من دون أن تفقد هويتها أو تتعرض بناها وتراثها وبيئتها لضغط يفوق قدرتها على التحمل؟

الاعتراف العالمي يرفع سقف المسؤولية

قرار الإدراج اعتمد على القيمة العالمية الاستثنائية لسيدي بوسعيد، باعتبارها قرية نشأت حول ضريح الولي الصوفي أبي سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي، وتطورت عبر قرون لتصبح فضاءً ذا قيمة روحية وثقافية ومعمارية مميزة على البحر المتوسط.

وبإضافة سيدي بوسعيد، أصبح لدى تونس 10 مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، بينها تسعة مواقع ثقافية وموقع طبيعي واحد.

لكن اليونسكو وضعت أمام تونس في القرار نفسه أجندة حماية واسعة، لا تتعلق بالسياحة وحدها.

فهي توصي، من بين أمور أخرى، باستكمال الدراسات المتعلقة بظاهرة الانزلاقات الأرضية، وتحديث خرائط التشققات ونقاط عدم الاستقرار، وتنفيذ خطة لإدارة مخاطر الكوارث، وتطوير خطة إدارة الموقع وضمان تطبيقها، إضافة إلى مواصلة مخطط حماية الموقع وتعزيز قيمته.

كما طلبت المنظمة إعداد جرد شامل لعناصر القيمة التراثية للموقع وتقييم حالة المحافظة عليها، إلى جانب إدماج تقييم تأثير المشاريع على التراث قبل تنفيذ أي مشروع داخل الموقع أو المنطقة العازلة والمحيط المباشر له.

السياحة.. نعمة يمكن أن تتحول إلى تهديد

تبدو توصية «القدرة الاستيعابية» شديدة الدلالة بالنسبة إلى سيدي بوسعيد، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية شهرة في تونس.

فالمشكلة التي تواجهها القرية ليست في نقص الشهرة، بل ربما في العكس تماماً.

الزوار، والسيارات، والحافلات السياحية، والمطاعم والمقاهي، والأنشطة التجارية، والطلب المتزايد على العقارات والإقامات السياحية، كلها عوامل يمكن أن تزيد الضغط على فضاء عمراني وجغرافي محدود أصلاً.

ولهذا استخدمت اليونسكو صراحة مفهوم «السياحة المفرطة»، مطالبة بتغيير النموذج السياحي بما يضمن حماية الموقع بدلاً من التعامل معه فقط باعتباره وجهة لجذب أكبر عدد ممكن من الزوار.

وهنا تبرز معادلة صعبة أمام تونس: كيف تستفيد اقتصادياً من الشهرة العالمية الجديدة لسيدي بوسعيد، من دون أن تصبح هذه الشهرة نفسها خطراً على القرية؟

ماذا يعني ذلك عملياً؟

إذا التزمت تونس بتوصية اليونسكو، فإن المرحلة المقبلة يفترض أن تشهد دراسة فعلية لعدد الزوار الذي يمكن لسيدي بوسعيد استيعابه، وكيفية توزيعهم زمنياً ومكانياً، وطريقة تنظيم حركة الحافلات والسيارات، وحماية المناطق الحساسة، وإدارة النفايات والمياه، وضمان عدم تحول المباني التقليدية إلى مجرد واجهات تجارية أو إقامات سياحية.

كما أن أي مشروع عمراني جديد داخل الموقع أو محيطه لن يكون مجرد مسألة رخصة بناء، بل سيصبح مرتبطاً بصورة أوضح بتأثيره على القيمة التراثية التي منحت سيدي بوسعيد مكانتها العالمية.

واللافت أن اليونسكو لم تكتف بطلب وضع استراتيجية سياحية، بل طلبت أيضاً دمجها مع استراتيجية تفسير الموقع وإدارة التراث، بما يعني أن الزائر لا ينبغي أن يكون مجرد مستهلك للمكان، وإنما جزءاً من نموذج سياحي يحافظ على قيمته التاريخية والثقافية.

ولم تترك اليونسكو التوصيات في مستوى الدعوة العامة فقط، إذ طلبت من تونس تقديم تقرير إلى مركز التراث العالمي قبل 1 ديسمبر 2027 حول تنفيذ هذه التوصيات، على أن يُعرض التقرير على لجنة التراث العالمي في دورتها الخمسين.

وهذا يعني أن إدراج سيدي بوسعيد ليس شهادة دائمة يمكن الاحتفال بها ثم الانتقال إلى ملف آخر، بل هو أيضاً التزام متواصل بالحفاظ على الموقع وإدارته.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى