تواجه الأسواق التونسية مؤخراً أزمة خانقة تجلت في النقص الحاد في التزويد بالمياه المعدنية المعلبة، رافقها ارتفاع « جنوني » وغير قانوني في الأسعار في عدة مناطق، مما أثار موجة استياء واسعة بين المواطنين ودق ناقوس الخطر لدى الخبراء والمنظمات الدفاعية.
وتأتي هذه الأزمة لتسلط الضوء مجدداً على هشاشة مسالك التوزيع والتشوهات التنظيمية التي تعاني منها السوق التونسية في أوقات الذروة الاستهلاكية.
اتهامات متبادلة حول المتسبب في الأزمة
في قراءته للوضع الحالي، حذر الخبير الاقتصادي آرام بلحاج من تداعيات استمرار هذه الأزمة، واصفاً إياها بالخطيرة ما لم يتم التدخل الفوري. وأرجع بلحاج ندرة المياه وارتفاع أسعارها إلى مزيج من « الطلب الاستثنائي، وهشاشة قطاع الطاقة، والصدمات الخارجية المتكررة »، منتقداً ما اعتبره « تشوهاً تنظيمياً وغياباً شبه كلي لأجهزة الدولة وغياب سياسة ردع فعالة ضد المحتكرين وأصحاب الريع ». وحذر الخبير من أن تواصل الوضعية الحالية سينتج عنه ندرة أخطر في الكميات وارتفاع لا يمكن السيطرة عليه في الأسعار.

في المقابل، نفت الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية وجود أي زيادة في الأسعار على مستوى وحدات الإنتاج. وأكد رئيس الغرفة، الأسعد مزاح، أن أسعار المصانع لم تتغير، محّملاً المسؤولية كاملة للموزعين وبائعي الجملة والتفصيل الذين استغلوا الظرف للترفيع في الأسعار بشكل غير قانوني. وأوضح مزاح أن النقص في الأسواق كان ظرفياً ونتج عن اضطراب نسق التصنيع بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي والارتفاع القياسي في درجات الحرارة، مؤكداً بدء عودة التزويد إلى نسقه الطبيعي بعد استقرار الحالة الجوية والكهربائية.
تحركات مدنية ودعوات للردع والاقتصاد البديل
من جانبها، أكدت ثريا التباسي، نائب رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، تلقي المنظمة لشكاوى عديدة من المواطنين بخصوص اختفاء المياه المعلبة وارتفاع أسعارها، مستنكرة بشدة استغلال المضاربين للوضع. ودعت التباسي المستهلكين إلى مقاطعة الممارسات غير القانونية والاقتناء حصراً من « النقاط المنظمة والقانونية والتثبت من الأسعار »، والتبليغ الفوري لمصالح المراقبة عن أي تجاوزات، متوقعة تجاوز الإشكال قريباً.
وفي سياق متصل، أيد لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، هذا الطرح مؤكداً تحسن التزويد بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، ومشدداً على غياب أي مبرر هيكلي للزيادة. وطالب الرياحي فرق المراقبة الاقتصادية التابعة لوزارة التجارة بشن حملات ردعية صارمة للتصدي للتجار المخالفين وإعادة الانضباط للسوق.
تحدي الهيكلة وحماية المقدرة الشرائية
تثبت هذه الأزمة العابرة، بحسب مراقبين، أن معالجة مسألة التزويد بالمواد الحياتية في تونس لم تعد تقتصر على مستويات الإنتاج الفلاحي أو الصناعي، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الدولة على ضبط مسالك التوزيع ومكافحة المضاربة الاحتكارية، فضلاً عن الحاجة الملحة لتأمين البنية التحتية الطاقية لضمان استمرارية الإنتاج تحت ضغط التغيرات المناخية. تبقى الكرة الآن في مرمى أجهزة الرقابة الرسمية لإعادة الأمور إلى نصابها وحماية جيب المواطن التونسي.


