قدّمت الدولة التونسية ردّها القانوني أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في القضية المتعلقة بثمانية من المتهمين في ما يعرف في تونس بملف «التآمر على أمن الدولة»، في إطار المسار القضائي الذي انطلق أمام المحكمة الأفريقية إثر شكاوى تتعلق بعدد من الحقوق والحريات التي يقول أصحابها إنها انتُهكت خلال الإجراءات القضائية التي استهدفتهم.
وتظهر بيانات المحكمة الأفريقية أن القضية مسجلة تحت الرقم 008/2026 بعنوان «محمد خيام التركي و7 آخرين ضد الجمهورية التونسية»، وقد تلقت المحكمة الملف في 6 مارس 2026.
ويضم الملف ثمانية أشخاص، من بينهم خيام التركي ورضا بلحاج وجوهر بن مبارك وغازي الشواشي وعبد الحميد الجلاصي وشيماء عيسى، بحسب المعطيات الواردة بشأن القضية.
وفي مذكرة أودعها ممثل الدولة التونسية لدى المحكمة، طلبت الدولة رفض المطالب المقدمة ضدها، مستندة في ذلك إلى مجموعة من الحجج القانونية المتعلقة باستقلال القضاء، والحق في الحرية، وضمانات المحاكمة العادلة، وحرية التعبير.
الدولة: التتبعات قضائية وليست سياسية
أحد المحاور الأساسية في دفاع الدولة التونسية يتمثل في رفض الربط بين التتبعات القضائية وبين النشاط السياسي للمتهمين.
وتقول الدولة، وفق ما ورد في مذكرتها، إن الأشخاص المعنيين لم تتم ملاحقتهم بسبب آرائهم السياسية أو انتماءاتهم، وإنما على أساس أفعال تعتبرها السلطات التونسية أفعالا مجرّمة وفقا للقانون.
وتستند الدولة في هذا الجانب إلى طبيعة التهم والجرائم التي أحيل عليها المتهمون، معتبرة أن القضية تتعلق بوقائع خضعت للتحقيقات والإجراءات القضائية، وليس بمواقف سياسية أو بمعارضة السلطة.
وبذلك، تقوم الحجة الأساسية للدولة على الفصل بين الحق في ممارسة النشاط السياسي والتعبير عن الرأي من جهة، وبين المساءلة الجزائية عن أفعال تعتبرها السلطات جرائم من جهة أخرى.
وتؤكد الدولة في هذا السياق أن مجرد كون الأشخاص المعنيين شخصيات سياسية أو معارضة لا يعني، في حد ذاته، أن أي تتبع قضائي ضدهم يمثل استهدافا سياسيا.
استقلال القضاء.. ماذا تقول الدولة؟
الشق الثاني من المذكرة يتعلق باستقلال السلطة القضائية، وهو أحد أبرز المطالب التي أثيرت أمام المحكمة الأفريقية.
وتدفع الدولة التونسية بأن استقلال القضاء مبدأ مضمون في الإطار الدستوري والقانوني التونسي، وتستند في دفاعها إلى النصوص المنظمة للسلطة القضائية ووضعية القضاة والضمانات المرتبطة بممارسة وظائفهم.
كما تستند إلى الالتزامات الدولية التي صادقت عليها تونس، ومن بينها الضمانات المتعلقة بالمحاكمة العادلة الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتحاول الدولة، من خلال هذه الحجج، إثبات أن وجود خلافات أو انتقادات بشأن بعض القرارات القضائية لا يعني بالضرورة غياب استقلال القضاء، وأن تقييم استقلال السلطة القضائية يجب أن يستند إلى الإطار القانوني والمؤسساتي والإجراءات المتبعة في كل قضية.
الحضور عن بعد في الجلسات
ومن بين المسائل التي تناولها الدفاع التونسي مسألة حضور بعض المتهمين المحتجزين للجلسات عن بعد.
وكان استخدام تقنية الاتصال عن بعد خلال جلسات القضية محل انتقادات من أطراف حقوقية ومحامين، باعتبار أن الحضور المباشر للمتهم أمام المحكمة يمثل، في نظرهم، أحد عناصر ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن الدولة تقدم قراءة مختلفة للمسألة.
فبحسب مذكرتها، يسمح القانون التونسي، في ظروف معينة، بعقد الجلسات دون الحضور المادي للموقوف، خاصة عندما تكون هناك اعتبارات مرتبطة بالأمن أو بحسن سير الجلسة.
وتؤكد الدولة أن استعمال هذه الوسائل لا يعني تلقائيا حرمان المتهم من حقوق الدفاع، ما دامت إمكانية التواصل مع محاميه وضمانات الدفاع متوفرة.
وبالتالي، فإن الخلاف أمام المحكمة الأفريقية لا يتعلق فقط بوجود جلسات عن بعد، وإنما بالسؤال القانوني الأوسع: هل أدى استخدام هذه الآلية في الحالات المعنية إلى انتقاص فعلي من ضمانات المحاكمة العادلة أم لا؟
وهو أمر سيكون على المحكمة الأفريقية تقييمه في ضوء المعايير التي تطبقها.
حرية التعبير.. أين تنتهي الحماية؟
وتتناول المذكرة كذلك مسألة حرية التعبير، حيث تؤكد الدولة التونسية أن حرية الرأي والتعبير مكفولة دستوريا ودوليا، لكنها ليست حقا مطلقا.
وتستند الدولة إلى القواعد القانونية التي تسمح، في ظروف محددة، بفرض قيود على ممارسة بعض الحقوق عندما يكون ذلك مرتبطا بحماية الأمن أو النظام العام أو حقوق الآخرين، شريطة أن تكون القيود مستندة إلى القانون.
ومن هذا المنطلق، ترفض الدولة اعتبار التتبعات القضائية ضد الأشخاص المعنيين عقوبة على آرائهم السياسية.
وتقول إن موضوع التحقيقات كان مرتبطا بأفعال ووقائع محددة ترى السلطات المختصة أنها يمكن أن تشكل جرائم، وليس بمجرد تصريحات أو مواقف سياسية.
وهنا أيضا يبرز أمام المحكمة سؤال قانوني أساسي: هل كانت الإجراءات مرتبطة فعلا بأفعال جزائية محددة، أم أن النشاط السياسي أو التعبير عن الرأي كان عاملا في استهداف الأشخاص المعنيين؟
الدولة تستند إلى القانون التونسي والالتزامات الدولية
لا يقتصر دفاع الدولة على التشريع الداخلي، بل يستند كذلك إلى الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس.
ومن بين النصوص التي تستند إليها الدولة الضمانات المتعلقة بالمحاكمة العادلة، والتي تنص على جملة من الحقوق المرتبطة بالمحاكمة والإجراءات القضائية.
وتؤكد الدولة أن النظام القانوني التونسي يتضمن ضمانات لحماية استقلال القضاء وحقوق الدفاع، وأن الإجراءات التي اتُخذت في القضية تمت في إطار القوانين الجاري بها العمل.
وبذلك تحاول الدولة تقديم الملف للمحكمة الأفريقية باعتباره نزاعا حول تطبيق الضمانات القانونية والقضائية، وليس قضية تتعلق بمجرد الخلاف السياسي بين السلطة والمعارضة.
قضية أثارت جدلا داخل تونس وخارجها
في المقابل، فإن القضية أصبحت منذ 2023 من أبرز الملفات القضائية التي أثارت جدلا سياسيا وحقوقيا في تونس.
وكان عدد من المنظمات الحقوقية التونسية والدولية قد انتقد طريقة إدارة الملف، وأثار مسائل تتعلق بطول فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة، وضمانات الدفاع، وظروف عقد بعض الجلسات، إضافة إلى طبيعة التهم الموجهة إلى المتهمين.
كما سبق لفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي أن تناول وضع عدد من الأشخاص في القضية في رأي صدر سنة 2024، داعيا إلى اتخاذ إجراءات بشأن احتجازهم.
وهذه المواقف، في المقابل، لا تمثل حكما من المحكمة الأفريقية في القضية الحالية، كما أن المذكرة التونسية لا تمثل قرارا قضائيا نهائيا بشأن مدى احترام حقوق المتهمين.
لماذا وصلت القضية إلى المحكمة الأفريقية؟
تونس واحدة من الدول الأفريقية التي قبلت اختصاص المحكمة الأفريقية في تلقي الدعاوى المباشرة من الأفراد والمنظمات غير الحكومية، وهو ما يسمح، في ظل استيفاء الشروط القانونية، بإحالة قضايا تتعلق بحقوق الإنسان مباشرة إلى المحكمة.
وتوضح المحكمة الأفريقية أن تونس من بين ثماني دول فقط من الدول الأطراف في البروتوكول التي أودعت الإعلان الذي يعترف باختصاص المحكمة في استقبال القضايا المباشرة من الأفراد والمنظمات غير الحكومية.
وهذا يفسر أهمية المسار الحالي، إذ لا يتعلق الأمر بإجراء سياسي أو ببيان حقوقي، وإنما بقضية أصبحت معروضة أمام هيئة قضائية قارية.
المحكمة الأفريقية لم تحسم القضية بعد
من المهم التمييز بين المواقف المقدمة إلى المحكمة وبين الحكم النهائي.
فإيداع الدولة التونسية لمذكرتها وطلبها رفض مطالب المدعين لا يعني أن المحكمة وافقت على هذه الحجج، كما أن الادعاءات المقدمة من أصحاب الشكاوى لا تعني أن المحكمة أقرت بوقوع الانتهاكات.
وتظل الكلمة الأخيرة للمحكمة الأفريقية بعد دراسة دفوع الطرفين والوثائق المقدمة إليها ومدى انطباق النصوص الأفريقية والدولية ذات الصلة على الوقائع المعروضة.
وتأتي هذه القضية في وقت تنظر فيه المحكمة الأفريقية أيضا في ملفات أخرى مرفوعة ضد الجمهورية التونسية، من بينها قضايا مرتبطة بسيف الدين مخلوف وإبراهيم بن محمد بلقاسم، وقد أصدرت المحكمة في يوليو 2026 أوامر تتعلق بتدابير مؤقتة في هذين الملفين.
معركة قانونية لا تزال مفتوحة
تكشف المذكرة التونسية أن الدولة اختارت أمام المحكمة الأفريقية خوض المعركة أساسا من بوابة القانون: لا ملاحقة بسبب الآراء السياسية، القضاء مستقل، ضمانات المحاكمة متوفرة، والقيود على بعض الحقوق تستند إلى القانون ومقتضيات الأمن والنظام العام.
في المقابل، يتمسك أصحاب الدعاوى بأن الإجراءات التي طالتهم مست بحقوق أساسية، وأن طبيعة الملف وظروف الاحتجاز والمحاكمة تثير مسائل تتعلق باستقلال القضاء والمحاكمة العادلة والحرية وحرية التعبير.
وبين هذين الموقفين، تدخل القضية الآن مرحلة قانونية جديدة أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.
واللافت أن المحكمة نفسها لم تصدر، في هذه القضية، حكما نهائيا بشأن جوهر الاتهامات المتبادلة بين الطرفين. لذلك فإن تحديد ما إذا كانت الانتهاكات المدعاة قد وقعت فعلا، وما إذا كانت الدولة التونسية قد احترمت التزاماتها بموجب الميثاق الأفريقي والمواثيق ذات الصلة، يبقى من اختصاص المحكمة في إطار نظرها في الملف.



