الرئيسية آخر الأخبار إستغلال المتربصين في تونس… من يوقف المؤسسات التي تستبدل المتربص بالمتربص؟

إستغلال المتربصين في تونس… من يوقف المؤسسات التي تستبدل المتربص بالمتربص؟

0
1
blank

متربص يدخل… يعمل… يكتسب الخبرة… ثم يغادر عندما تقترب لحظة التسوية، ليحل محله متربص جديد. هل تحوّل التربص في بعض المؤسسات من بوابة إلى سوق الشغل إلى وسيلة دائمة للحصول على يد عاملة بأقل كلفة؟

إعلان وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، يوم 6 أوت 2026، عن التوجه نحو إعداد «مجلة شغل جديدة» يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لعلاقة الشغل في تونس، في وقت تتغير فيه طبيعة العمل وتتوسع فيه أنماط جديدة مثل العمل عن بعد واقتصاد المنصات.

لكن هناك ملفاً قديماً ربما يحتاج بدوره إلى قانون جديد وحاسم:

ملف المتربصين.

فالمشكلة ليست فقط أن بعض المتربصين لا يحصلون على مقابل مالي عادل.

المشكلة الأخطر هي أن هناك مؤسسات يمكن أن تجد في نظام التربص وسيلة لإعادة إنتاج اليد العاملة نفسها دون الوصول إلى الانتداب.

متربص اليوم… متربص غداً… ومؤسسة بلا انتدابات؟

السيناريو الذي يستحق التحقيق والتدقيق بسيط في ظاهره:

تستقبل المؤسسة مجموعة من المتربصين.

يبدأ هؤلاء في العمل يومياً، ويتلقون التعليمات، وينجزون المهام، ويتعاملون مع الحرفاء أو الملفات أو الإنتاج بحسب طبيعة المؤسسة.

يمضي الوقت.

يكتسب المتربصون الخبرة.

وتقترب مرحلة انتهاء التربص أو النقطة التي يصبح فيها من الطبيعي التفكير في تسوية الوضعيات وانتداب بعضهم.

عندها ينتهي التربص.

ولا يقع الانتداب.

بعد ذلك تأتي مجموعة جديدة من المتربصين.

وتتكرر الدورة.

متربصون يغادرون، ومتربصون جدد يدخلون، بينما تبقى الوظائف والمهام نفسها موجودة.

إذا ثبت حصول هذا النمط بصورة متكررة ومنظمة، فنحن لا نتحدث فقط عن تربص سيئ التنظيم.

نحن أمام سؤال يتعلق بطبيعة العلاقة الشغلية نفسها.

هل التربص هنا وسيلة للتكوين؟

أم أصبح وسيلة لتجنب خلق وظائف دائمة؟

أخطر ما في المسألة أن الضحية قد لا تعرف أنها ضحية

الشاب الذي يدخل المؤسسة في إطار تربص قد يقبل الوضعية لأنه يبحث عن الخبرة.

وقد يقبل العمل دون أجر أو بمقابل محدود لأنه يعتقد أن الأمر قد ينتهي بانتدابه.

يعمل بجد.

يثبت نفسه.

يتعلم.

ثم ينتظر.

لكن عندما يصل التربص إلى نهايته، قد يسمع العبارة التي يعرفها كثيرون:

«للأسف، لا توجد انتدابات في الوقت الحالي».

وبعد أيام أو أسابيع، تدخل مجموعة جديدة من الشباب إلى المؤسسة نفسها.

وهكذا يتحول الأمل في الانتداب إلى جزء من دورة متكررة.

وهنا يجب أن تتدخل مجلة الشغل الجديدة

إذا كانت تونس ستعيد صياغة مجلة الشغل لتواكب التحولات الحديثة، فإن المطلوب ليس فقط إضافة فصول عن العمل عن بعد واقتصاد المنصات.

يجب أن تطرح المجلة الجديدة سؤالاً أكثر أساسية:

متى يتوقف التربص عن كونه تربصاً ويصبح في الواقع علاقة شغل؟

يمكن مثلاً وضع معايير موضوعية لا تعتمد فقط على اسم العقد أو الوثيقة التي توقعها المؤسسة والمتربص.

كم عدد ساعات العمل؟

ما طبيعة المهام؟

هل يؤدي المتربص وظيفة موجودة أصلاً داخل المؤسسة؟

هل يحل محل عامل أو موظف؟

هل تتكرر العملية مع متربصين جدد؟

هل تستقبل المؤسسة متربصين بشكل متواصل دون انتداب أي منهم؟

هل يؤدي المتربص نفس العمل الذي يؤديه العاملون بعقود شغل؟

هذه الأسئلة يمكن أن تكون أهم من مجرد تسمية الشخص «متربصاً».

«التربص الدائم» يجب ألا يصبح حيلة قانونية

لا يمكن أن يكون اسم الوضعية أقوى من حقيقتها.

إذا كانت المؤسسة تحتاج فعلياً إلى شخص لأداء مهمة مستمرة، فلا ينبغي أن يكون تغيير أسماء الأشخاص كل بضعة أشهر وسيلة للتهرب من علاقة شغل مستقرة.

وهنا يمكن أن تضع مجلة الشغل الجديدة قاعدة بسيطة:

تكرار استعمال المتربصين لأداء الوظيفة نفسها دون توقف يجب أن يكون مؤشراً يستوجب الرقابة.

وليس بالضرورة أن يعني ذلك أن كل مؤسسة تستقبل متربصين بكثرة تقوم بالتحايل.

لكن تكرار المؤشرات يمكن أن يكون سبباً للتثبت.

لماذا لا يكون للمتربص حق في الأجر؟

هنا تعود القضية إلى أصلها.

إذا كان المتربص يعمل فعلياً، فإن المؤسسة تستفيد من وجوده.

فلماذا يكون المقابل المالي مجرد «منحة» رمزية؟

ولماذا لا يكون هناك حد أدنى قانوني واضح للتعويض عن ساعات التربص؟

ولماذا لا تكون هناك حماية قانونية عندما يتحول التربص إلى عمل فعلي؟

الإصلاح الحقيقي يجب أن يجمع بين الأمرين:

منع استعمال المتربص كعامل دائم مقنع، وإقرار مقابل مالي عادل عندما يؤدي عملاً فعلياً.

المطلوب قاعدة جديدة: لا تعويض للموظف بمتربص

يمكن لمجلة الشغل الجديدة أن تكرس مبدأ واضحاً:

المتربص لا يعوض وظيفة دائمة.

وإذا كانت المؤسسة تحتاج إلى شخص لأداء مهام دائمة، فعليها اللجوء إلى إحدى صيغ التشغيل التي يحددها القانون.

أما التربص، فيجب أن يبقى مرتبطاً بالتكوين واكتساب المهارات.

وفي حال اكتشاف مؤسسة تستعمل سلسلة متعاقبة من المتربصين لأداء الوظيفة نفسها، يمكن أن تخضع العملية لتدقيق من أجهزة تفقد الشغل.

وهنا تبدأ المقارنة الدولية

في فرنسا مثلاً، القواعد المتعلقة بالتربص لا تكتفي بتحديد المنحة، بل تؤكد أيضاً أن المتربص لا يجوز أن يحل محل موظف أو يشغل وظيفة دائمة داخل المؤسسة.

هذه النقطة مهمة جداً بالنسبة إلى تونس، لأنها تقدم مبدأ يمكن البناء عليه:

التربص ليس بديلاً عن الانتداب.

وإذا أرادت تونس أن تكتب مجلة شغل جديدة فعلاً، فإنها تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك بوضع مؤشرات تكشف المؤسسات التي تعتمد بصورة متكررة على المتربصين دون تحويل أي منهم إلى علاقة شغل مستقرة.

هل نحتاج إلى «سجل للتربصات»؟

وهنا يمكن أن يظهر اقتراح آخر.

لماذا لا يكون لكل مؤسسة سجل رقمي للتربصات؟

كم متربصاً استقبلت خلال السنوات الأخيرة؟

ما مدة كل تربص؟

ما الوظيفة التي قام بها المتربص؟

هل تم انتدابه بعد انتهاء التربص؟

كم عدد المتربصين الذين أدوا الوظيفة نفسها؟

هذه البيانات يمكن أن تساعد الدولة على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية.

مؤسسة تستقبل متربصين أو اثنين سنوياً لتكوينهم شيء.

أما مؤسسة تستقبل عشرات المتربصين سنوياً لأداء المهام نفسها، ثم تنهي تربصاتهم وتستبدلهم بآخرين باستمرار، فهذه حالة تستحق التثبت.

من «استثمار في الشباب» إلى استثمار حقيقي في المستقبل

التربص يجب أن يكون بداية الطريق إلى العمل، لا محطة دائمة في طريق مسدود.

والدولة التي تريد إصلاح سوق الشغل لا يمكن أن تترك جيلاً كاملاً يدخل إليه من بوابة العمل غير المستقر والعمل شبه المجاني.

لذلك فإن إعلان إعداد مجلة شغل جديدة يمثل فرصة.

فرصة لكي لا تكون المجلة الجديدة مجرد تحديث لمفردات قانونية قديمة، وإنما إعادة تعريف حقيقية للعلاقة بين العامل والمؤسسة.

ومن بين الأسئلة التي يجب أن تكون على طاولة صياغة القانون:

متى يصبح المتربص عاملاً؟

كم مرة يمكن للمؤسسة أن تعيد استعمال المتربصين في الوظيفة نفسها؟

هل يجوز لمؤسسة أن تستبدل كل مجموعة من المتربصين بمجموعة جديدة دون أن تنتدب أحداً؟

وإذا كان المتربص يؤدي عملاً فعلياً، لماذا لا يكون له أجر قانوني واضح؟

هذه ليست أسئلة تقنية.

إنها أسئلة تتعلق بمستقبل سوق الشغل وبنوع العلاقة التي نريد بناءها بين الشباب والمؤسسات.

فالمطلوب ليس إلغاء التربص.

بل إنقاذ فكرة التربص من الاستغلال.

والمطلوب ليس منع المؤسسات من تكوين الشباب.

بل منع تحويل التكوين إلى ذريعة للحصول على عمل متواصل بأيدٍ تتغير كل بضعة أشهر.

ولهذا ربما يكون أول اختبار حقيقي لـ«مجلة الشغل الجديدة» بسيطاً جداً:

هل ستنهي تونس زمن المتربص الذي يأتي للعمل… ثم يأتي بعده متربص آخر ليؤدي العمل نفسه؟