عاد اسم كمال الغريبي ليتصدر المشهد الإعلامي والسياسي في إيطاليا، لكن هذه المرة من بوابتين متزامنتين تحملان دلالات تتجاوز حدود الصدفة: مقالات متتالية نشرتها صحيفة إل فوجليو حول مستقبل تونس السياسي، ثم حلقة مطولة من البرنامج الاستقصائي الإيطالي ريبورت على القناة الإيطالية الثالثة التابعة للتلفزيون العمومي الإيطالي، خصصت جزءاً مهماً منها لتفكيك شبكة النفوذ المحيطة بالرجل والمجموعة الصحية العملاقة التي ينشط داخلها.
ويأتي هذا التحليل الذي كتبه النائب السابق مجدي الكرباعي في سياق جدل متصاعد داخل تونس وخارجها بشأن الحضور المتنامي لكمال الغريبي في دوائر المال والسياسة والدبلوماسية غير الرسمية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
التقاطع بين الحدثين لم يكن عادياً في روما، المدينة التي تُقرأ فيها الرسائل السياسية أحياناً عبر البرامج التلفزية أكثر مما تُقرأ عبر البيانات الرسمية. فحين تقترح صحيفة قريبة من دوائر القرار اسم رجل أعمال تونسي-سويسري كاحتمال مطروح في “مرحلة ما بعد قيس سعيّد”، ثم يأتي في الفترة نفسها برنامج استقصائي واسع المتابعة ليضع مسيرته وشبكة علاقاته تحت المجهر، فإن الأمر يتحول إلى قضية سياسية وإعلامية تتجاوز مجرد الاهتمام الصحفي العابر.
البرنامج الاستقصائي الإيطالي قدّم كمال الغريبي باعتباره نموذجاً لرجل الأعمال الذي يتحرك في المساحات الرمادية بين الاقتصاد والدبلوماسية والنفوذ. فمنذ انتقاله من صفاقس إلى عالم تجارة الطاقة والنفط في سن مبكرة، بدا وكأنه يتقن فن الوصول إلى الملفات الحساسة في اللحظة المناسبة. واليوم، انطلاقاً من لوغانو، يدير شبكة متشابكة من المواقع والعلاقات، تجمع بين الاستثمار الصحي والحضور في المنتديات السياسية والاقتصادية الدولية.
لكن ما أثار اهتمام البرنامج حسب الكرباعي ليس النجاح المالي فقط، بل خريطة التوسع الجغرافي للمجموعة الصحية الإيطالية التي ينشط فيها الغريبي. فخلال سنوات قليلة، توسعت مشاريعها نحو ليبيا والعراق ومصر والسعودية وألبانيا، وهي نفسها المناطق التي تشكل اليوم أولوية استراتيجية للسياسة الخارجية الإيطالية في المتوسط وأفريقيا.
وهنا يبرز السؤال الذي حاول البرنامج طرحه دون تقديم إجابة مباشرة: هل تتحرك الأعمال وراء المصالح الجيوسياسية، أم أن رجال الأعمال باتوا يسبقون الدبلوماسية الرسمية ويمهدون لها الطريق؟ ففي ليبيا مثلاً، ترتبط مشاريع المستشفيات والطاقة بملفات الهجرة والاستقرار الأمني، وفي العراق تتداخل إدارة المنشآت الصحية مع النفوذ الاقتصادي الأوروبي، أما في مصر فيواكب الحضور الصحي الإيطالي إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وروما.
ولم يوجّه البرنامج اتهامات قانونية مباشرة إلى الغريبي، لكنه ركّز على ما تصفه بعض الأوساط الإيطالية بـ”الدبلوماسية الموازية”، أي صعود رجال أعمال وفاعلين اقتصاديين إلى أدوار كانت تقليدياً من اختصاص الدول والأجهزة الرسمية. وهي منطقة يصعب تحديد حدودها بدقة: لا صفة سياسية رسمية، لكن توجد قدرة واضحة على الوصول إلى صناع القرار والتأثير في الملفات الكبرى.
واللافت أن كمال الغريبي لا يخفي هذه الشبكة من العلاقات، بل يقدمها باعتبارها جزءاً من رؤيته لدور القطاع الخاص في مواجهة التحديات الدولية، من خلال حضوره المتكرر في المؤتمرات الأمنية والاقتصادية ولقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، من بينها الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا.
غير أن الملف الأكثر حساسية يبقى الملف التونسي. فمجرد تداول اسمه في الصحافة الإيطالية كاحتمال سياسي في مستقبل تونس كان كافياً لإثارة جدل واسع داخل البلاد. صحيح أن الغريبي لم يعلن أي طموح سياسي مباشر، لكنه أيضاً لم يغلق الباب نهائياً، مكتفياً بعبارات دبلوماسية تتحدث عن “خدمة الوطن” و”بقاء الأبواب مفتوحة لكل ما فيه خير تونس”.
وفي بلد يمثل بالنسبة لإيطاليا نقطة استراتيجية أساسية في قضايا الهجرة والطاقة والأمن المتوسطي، تبدو شخصية مثل كمال الغريبي قادرة على إثارة اهتمام دوائر القرار والإعلام معاً. فهو يجمع بين شبكة أعمال عابرة للحدود، وعلاقات قوية داخل إيطاليا، وصلات تونسية متجذرة، في لحظة تعيش فيها المنطقة تحولات عميقة تعيد رسم موازين النفوذ.
وربما لهذا السبب بدا البرنامج الإيطالي أقل اهتماماً بالإدانة وأكثر اهتماماً بفهم ظاهرة جديدة تتوسع في العالم المعاصر: ظاهرة رجال الأعمال الذين يتحركون داخل المساحات الضبابية بين الاقتصاد والسياسة والجيوستراتيجية. ففي عالم المتوسط اليوم، لم يعد النفوذ يُقاس فقط بالسلطة الرسمية أو الثروة المالية، بل أيضاً بالقدرة على فتح الأبواب وربط الشبكات والحضور في اللحظات الحاسمة داخل أكثر الملفات حساسية.



