في مكان ارتبط في أذهان التونسيين بالمرض والعلاج والانتظار، اختار الفن أن يروي حكاية مختلفة… حكاية الأمل.
فقد تحولت واجهة معهد صالح عزيز للأمراض السرطانية بتونس إلى فضاء فني وإنساني، من خلال جدارية جديدة تحمل عنوان «اليد في اليد»، أنجزها الفنان التشكيلي وفنان الشارع التونسي سكندر تاج، في إطار مشروع يجمع بين الفن والتضامن والتعاون التونسي الفرنسي في المجال الصحي.
المبادرة جاءت بمشاركة وزارة الصحة التونسية، والمعهد الفرنسي بتونس، وإدارة معهد صالح عزيز، والجمعية التونسية لمساعدة مرضى سرطان الثدي، لتقدم للمكان الذي يستقبل يومياً مرضى السرطان وأفراد عائلاتهم صورة مختلفة عن فضاءات العلاج التقليدية.
حين يصبح الفن جزءاً من رحلة العلاج
الجدارية ليست مجرد ألوان على جدار، ولا مجرد محاولة لإضفاء لمسة جمالية على مبنى طبي. فكرتها تقوم على رمز بسيط وعميق في الوقت نفسه: اليد التي تمتد إلى يد أخرى.
يد تعني المساندة، وأخرى تعني الاحتواء، وبينهما تختصر الجدارية معنى رحلة طويلة يعيشها مريض السرطان، من لحظة اكتشاف المرض إلى العلاج وما يرافقه من خوف وانتظار وأمل.
فالإنسان الذي يدخل معهد صالح عزيز لا يدخل إليه وحده في الغالب. وراء كل مريض عائلة تنتظر، وأم تخاف، وأب يحاول إخفاء قلقه، وزوج أو زوجة تبحث عن كلمات تطمئن، وأصدقاء يتمنون أن تكون المرحلة الصعبة عابرة.
ومن هنا جاءت رمزية «اليد في اليد»: لا أحد ينبغي أن يواجه المرض وحيداً.
رسالة إلى المريض قبل أن تكون لوحة
في فضاءات المستشفيات، قد تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر أهمية مما نعتقد.
نافذة يدخل منها الضوء، كلمة طيبة، ابتسامة من ممرض، زيارة من قريب، أو حتى لوحة تلتقط العين وتمنح لحظة من الهدوء… كلها يمكن أن تجعل المكان أقل قسوة.
ومن هذا المنطلق، تحمل الجدارية رسالة تتجاوز الفن نفسه. فهي تقول للمريض إن هذا المكان ليس فقط فضاءً للعلاج، وإنما يمكن أن يكون أيضاً فضاءً للأمل.
فالسرطان، مهما كان ثقيلاً، لا يلغي حاجة الإنسان إلى الجمال ولا إلى الأمل ولا إلى الشعور بأنه محاط بأشخاص يقفون إلى جانبه.
الفن في مواجهة قسوة المرض
اختيار معهد صالح عزيز لإنجاز هذا العمل يحمل دلالة خاصة. فالمؤسسة تستقبل أعداداً كبيرة من المرضى الذين يخوضون واحدة من أصعب التجارب الإنسانية.
وفي مثل هذه الأماكن، يصبح الفن وسيلة للتخفيف من وطأة المشهد اليومي، ولخلق محيط أكثر إنسانية بالنسبة إلى المرضى وعائلاتهم والعاملين في المؤسسة الصحية على حد سواء.
والفكرة هنا ليست أن اللوحة تعالج المرض، فهذا دور الطب والأطباء والأدوية والعلاجات المتخصصة، وإنما أن الفن يمكن أن يرافق العلاج ويمنح الإنسان مساحة نفسية يحتاج إليها بشدة خلال رحلة المرض.
تعاون تونسي فرنسي بروح إنسانية
المشروع يندرج كذلك ضمن التعاون التونسي الفرنسي في المجال الصحي، من خلال مشاركة المعهد الفرنسي بتونس إلى جانب وزارة الصحة التونسية وشركاء المشروع.
وتكتسب هذه الشراكة بعداً رمزياً إضافياً بالنظر إلى تاريخ معهد صالح عزيز نفسه، الذي ارتبط منذ تأسيسه بالتعاون التونسي الفرنسي في مجال مكافحة السرطان.
لكن المشروع الجديد يذهب بالتعاون الصحي إلى مساحة أخرى، حيث يلتقي الطب بالفن، والصحة بالثقافة، والعلاج بالبعد الإنساني.
«اليد في اليد»… أبعد من جدارية
ربما تكون أقوى رسالة في هذا العمل هي أن مواجهة السرطان ليست مسؤولية المريض وحده.
فالطبيب يمسك بيده من جهة، والعائلة من جهة أخرى، والأصدقاء والمجتمع من جهة ثالثة.
وفي النهاية، تبقى اليد التي تمتد في اللحظة الصعبة واحدة من أكثر صور التضامن الإنساني صدقاً.
لهذا تبدو جدارية «اليد في اليد» أكثر من لوحة تزيّن واجهة معهد صالح عزيز. إنها رسالة موجهة إلى كل من يعبر أمامها، وإلى كل مريض ينظر إليها، تقول ببساطة:
قد يكون الطريق صعباً، لكنك لست وحدك.
وفي مؤسسة ارتبط اسمها بمواجهة السرطان، اختار الفن أن يترك على جدرانها أثراً مختلفاً: ألواناً تقول إن الأمل يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، وإن التضامن قد يبدأ أحياناً بيد تمتد إلى يد أخرى.
