أقر ألكسندر فوتشيتش بهزيمة حزبه في الانتخابات التشريعية المبكرة التي شهدتها صربيا، اليوم الأحد، بعد 14 عاما من الهيمنة على الحياة السياسية في البلاد، أمام حركة احتجاجية قادها طلبة الجامعات ونجحت في التحول إلى قوة انتخابية، فيما عمت الاحتفالات شوارع العاصمة بلغراد، عقب ظهور نتائج أولية أظهرت تقدما كبيرا للقائمة المدعومة من الطلاب.
وقال فوتشيتش، أمام أنصار الحزب التقدمي الصربي في مقره ببلغراد، إنه “استنادا إلى عينة إحصائية تمثل مختلف فئات الناخبين، من الواضح أننا خسرنا هذه الانتخابات”، معلنا أن القائمة الطلابية تتجه للحصول على ما بين 135 و140 مقعدا في البرلمان، مقابل نحو 105 مقاعد لحزبه، وفق تقديرات أولية عرضها بنفسه، في انتظار إعلان النتائج الرسمية النهائية.
وجاء اعتراف فوتشيتش بالهزيمة سريعا، على خلاف توقعات معارضيه الذين رجحوا تمسكه بالسلطة، بعدما قاد الحملة الانتخابية لحزبه أملا في العودة إلى الحكم من موقع رئيس الوزراء، عقب استقالته من رئاسة الجمهورية في نهاية شتنبر الماضي، تحت ضغط حركة احتجاجية واسعة طالبت بإجراء انتخابات مبكرة.
إقبال انتخابي كثيف وفرحة عارمة في بلغراد
وشهد الاقتراع إقبالا كثيفا، إذ أعلن برانكو يوسيبوفيتش، مدير المكتب الوطني للإحصاء في صربيا، أن نسبة المشاركة بلغت 64,89 في المائة عند الساعة السادسة مساء بالتوقيت المحلي، أي قبل ساعتين من إغلاق مراكز التصويت، في مستوى غير مسبوق منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في الساعة السابعة صباحا وأغلقتها في الثامنة مساء، وسط اهتمام واسع بالاستحقاق الذي دعي إليه نحو 6,4 ملايين ناخب، في وقت أعادت فيه المشاركة المرتفعة إلى الأذهان الانتخابات التي رافقت نهاية عهد سلوبودان ميلوشيفيتش سنة 2000، حين بلغت نسبة التصويت نحو 70 في المائة.
وتنافست خلال هذه الانتخابات 18 قائمة على مقاعد البرلمان الصربي البالغ عددها 250 مقعدا، غير أن المنافسة الرئيسية انحصرت بين الحزب التقدمي الصربي والقائمة المدعومة من الحركة الطلابية، بعدما قررت أحزاب معارضة كبرى عدم الترشح، ودعت أنصارها إلى التصويت لفائدة مرشحي الطلاب.
وفي ما يتعلق بسير العملية الانتخابية، أعلن راسا نيديليكوف، المسؤول عن مراقبة الانتخابات في منظمة “سي آر تي إيه”، تسجيل عدد كبير من المخالفات والحوادث خلال الاقتراع، فيما لم تؤكد قوات الأمن وقوع أعمال عنف كبيرة مرتبطة بالانتخابات.
وتابع مراقبون محليون ودوليون الاستحقاق، إلى جانب متطوعين حشدتهم الحركة الطلابية للمساهمة في مراقبة العملية الانتخابية، بعد تحذيرات أطلقتها منظمات من المجتمع المدني بشأن الظروف المحيطة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
وما إن أقر فوتشيتش بهزيمة حزبه حتى عمت الاحتفالات شوارع بلغراد، حيث أطلق سائقو السيارات أبواقها، وتجمعت حشود من أنصار الحركة الطلابية وسط العاصمة، متبادلين العناق ومرددين الهتافات، بينما رفع آخرون بالونات ملونة وشاركوا في رقصات شعبية احتفاء بالنتائج الأولية.
وقال إيليا سردانوفيتش، ممثل القائمة الطلابية، أمام المحتفلين: “صربيا انتصرت، كما وعدنا”، مضيفا: “لن يحكم طاغية هذا البلد بعد اليوم”، في تصريح عكس حجم الفرحة التي رافقت إعلان تقدم الحركة التي قادت الاحتجاجات خلال العامين الماضيين.
وعبرت الطالبة سوزانا ميلا مارتيتش عن سعادتها بالفوز، قائلة لوكالة الأنباء الفرنسية، والدموع تنهمر من عينيها: “أشعر بسعادة لا توصف، أشعر بأنني أعيش أخيرا في بلد حر”.
بدوره، قال رادومير سايتشيتش، أحد أنصار القائمة الفائزة، إن المحتفلين يستعدون لقضاء ليلة طويلة من الغناء والرقص والعناق، فيما أشادت ميريانا نيكوليتش، المرشحة ضمن القائمة الطلابية ورئيسة جامعة الفنون المسرحية، بدور الشباب في تحقيق هذا التحول، مؤكدة أن النتيجة ما كانت لتتحقق دون تعبئتهم.
ورغم أجواء الاحتفال، شهد محيط عدد من المؤسسات الرسمية انتشارا أمنيا مكثفا، حيث طوقت عناصر مكافحة الشغب مقر اللجنة الانتخابية ومبنى الرئاسة، وأحاطت بمجموعات من أنصار الحكومة تجمعوا في إحدى الحدائق، بينما غادرت مجموعات من الشبان الذين يرتدون ملابس سوداء وسط العاصمة تحت صيحات استهجان من ناخبي المعارضة.
ودعت الحركة الطلابية أنصارها، عبر منصة “إكس”، إلى تجنب التجمع قرب المواقع التي تشهد انتشارا أمنيا مكثفا، مطالبة إياهم بالحفاظ على الهدوء وتفادي الاحتكاكات، وجاء في رسالتها: “لنحافظ على سلامتنا وكرامتنا وهدوئنا حتى اللحظة الأخيرة”.
من كارثة نوفي ساد إلى انتصار الحركة الطلابية
وتعود جذور الحركة الاحتجاجية التي أفضت إلى هذه النتيجة الانتخابية إلى سنة 2024، عندما انهارت سقيفة إسمنتية بمحطة القطارات في مدينة نوفي ساد، ثاني أكبر مدن صربيا، ما أسفر عن مقتل 16 شخصا، في حادث أثار غضبا شعبيا واسعا بعدما ربط محتجون الكارثة بشبهات فساد في مشاريع البنية التحتية وأشغال تجديد المحطة.
وانطلقت الاحتجاجات بمطالب تتعلق بإجراء تحقيق شفاف وتحديد المسؤوليات عن الحادث، قبل أن تتحول تدريجيا إلى حركة شعبية واسعة قادها طلبة الجامعات، وشارك فيها مئات الآلاف من المواطنين، لتصبح من أكبر موجات الاحتجاج التي شهدتها صربيا منذ سقوط ميلوشيفيتش سنة 2000.
ومع اتساع التعبئة، انتقل الطلاب من المطالبة بكشف ملابسات كارثة نوفي ساد إلى الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، فيما اتهمت السلطات بعض التحركات الطلابية بأنها مدفوعة بتدخلات خارجية، وسط تسجيل أعمال ترهيب وعنف استهدفت محتجين خلال مراحل مختلفة من الأزمة.
وعلى مدى أشهر، نظم الطلاب مسيرات في مختلف أنحاء البلاد للوصول مباشرة إلى الناخبين، ومواجهة الحضور الإعلامي الواسع للحزب التقدمي الصربي، قبل أن تبلغ التعبئة ذروتها في تجمع نظم الخميس الماضي بالعاصمة بلغراد، شارك فيه نحو 150 ألف شخص، وفق تقديرات مرصد مستقل يتابع الاحتجاجات.
وعشية التصويت، وجهت الحركة الطلابية رسالة إلى الصربيين شكرتهم فيها على مساندتها، وحثتهم على المشاركة المكثفة في الانتخابات، قائلة: “صربيا تستيقظ! كنتم وما زلتم مصدر قوتنا. حان الوقت لتوجيه هذه القوة نحو الحرية”.
وفي المقابل، خاض فوتشيتش حملة انتخابية شملت مدنا وبلدات صربية، مقدما نفسه باعتباره ضامنا للاستقرار الوطني، ومتهما الحركة الطلابية بالتخطيط لانقلاب بدعم خارجي، فيما دعا أنصاره خلال آخر تجمع انتخابي لحزبه إلى حماية الدولة والدفاع عنها.
