كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة « أفروبارومتر » عن مفارقة لافتة في واقع المرأة التونسية، إذ أظهرت النتائج أن النساء حققن تقدما ملحوظا في مجال التعليم، غير أن هذا التفوق لم ينعكس بالقدر نفسه على سوق العمل أو على مستوى التمكين الاقتصادي، حيث لا تزال الفجوة بين الجنسين واضحة في التشغيل وامتلاك الأصول المالية.
وأبرزت نتائج الاستطلاع أن 22 بالمائة من النساء التونسيات بلغن مستوى التعليم ما بعد الثانوي، مقابل 17 بالمائة فقط من الرجال، وهو ما يعكس تفوق المرأة في التحصيل العلمي. كما أكد 96 بالمائة من التونسيين أن الفتيات لا يُحرمن من الدراسة بسبب تفضيل تعليم الذكور، بما يشير إلى أن الالتحاق بالتعليم أصبح متاحا بشكل متقارب بين الجنسين.
ورغم هذا التقدم، تكشف الأرقام عن استمرار صعوبات كبيرة في الاندماج داخل سوق الشغل. فوفق الاستطلاع، لا تتجاوز نسبة النساء اللاتي يشغلن عملا مدفوع الأجر، سواء بدوام كامل أو جزئي، 26 بالمائة، مقابل 47 بالمائة لدى الرجال، وهو ما يعكس فجوة واسعة بين مستوى التأهيل وفرص التشغيل.
وتزداد هذه الفجوة في المناطق الريفية، إذ أظهر الاستطلاع أن 21 بالمائة من النساء الريفيات لم يحصلن على أي تعليم نظامي، مقابل 9 بالمائة فقط من النساء في المدن، وهو ما يبرز استمرار التفاوت المجالي في فرص التعليم والتمكين.
ولم تقتصر الفوارق على التشغيل، بل امتدت إلى التمكين الاقتصادي. فبينت نتائج « أفروبارومتر » أن النساء أقل امتلاكا للأصول المالية مقارنة بالرجال، إذ تمتلك 25 بالمائة فقط من النساء حسابات بنكية، مقابل 41 بالمائة لدى الرجال. كما تبلغ نسبة النساء المالكات لسيارة أو دراجة نارية 24 بالمائة فقط، مقابل 52 بالمائة لدى الرجال، وهو ما يعكس محدودية استقلاليتهن الاقتصادية.
وفي المقابل، أظهرت النتائج تقلص الفجوة الرقمية، حيث تمتلك 88 بالمائة من النساء هاتفا محمولا، مقابل 91 بالمائة من الرجال، ما يشير إلى أن الوصول إلى وسائل الاتصال الحديثة أصبح شبه متكافئ بين الجنسين.
كما رصد الاستطلاع استمرار بعض التصورات الاجتماعية التقليدية، إذ يرى 54 بالمائة من التونسيين أن الرجال يجب أن يحظوا بالأولوية في الحصول على فرص العمل عندما تكون الوظائف محدودة، وهو ما يعكس بقاء بعض المواقف الثقافية التي قد تؤثر في فرص المرأة داخل سوق الشغل.
وفي جانب آخر، أشار الاستطلاع إلى أن 41 بالمائة من التونسيين يعتبرون أن النساء يتعرضن بشكل متكرر للتحرش الجنسي في الفضاءات العامة، بينما يرى 66 بالمائة أن على أجهزة الأمن والقضاء بذل جهود أكبر لحماية النساء والفتيات من هذه الظاهرة.
وتخلص نتائج « أفروبارومتر » إلى أن تونس حققت خطوات مهمة في مجال تعليم المرأة وضمان حقها في الالتحاق بالمدارس والجامعات، إلا أن هذا التقدم لم ينعكس بعد على مستوى المشاركة الاقتصادية. فارتفاع المستوى التعليمي للمرأة لم يؤد إلى تقليص الفجوة في التشغيل أو في النفاذ إلى الموارد المالية، ما يجعل تعزيز الإدماج الاقتصادي وخلق فرص عمل أكثر إنصافا من أبرز التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.



