تراجع التتبعات القضائية رغم ارتفاع الإدانات.. وشبهات تورط مسؤولين وقيود على جمعيات المجتمع المدني تثير مخاوف بشأن حماية الضحايا
أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، تقريرها الجديد حول الاتجار بالأشخاص، متضمناً تقييماً لجهود تونس في مكافحة هذه الجريمة خلال سنة 2025، كشف عن ارتفاع عدد الإدانات وتحديد مئات الضحايا، مقابل استمرار نقائص في التتبعات القضائية وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.
وصنّف التقرير تونس ضمن المستوى الثاني في مكافحة الاتجار بالأشخاص، معتبراً أن السلطات لا تستوفي بالكامل المعايير الدنيا المطلوبة للقضاء على هذه الجريمة، لكنها تبذل جهوداً كبيرة لتحقيق ذلك.
ويستند هذا التصنيف إلى جملة من المؤشرات، من بينها تطور التحقيقات والإدانات وتحديد الضحايا، إلى جانب إجراءات اتخذتها السلطات للحد من الاستغلال في سوق الشغل. غير أن التقرير سجّل، في المقابل، استمرار صعوبات تتعلق بمتابعة المشتبه بهم قضائياً، والتعرف على الضحايا وإحالتهم إلى خدمات الدعم، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بشبهات تواطؤ مسؤولين في بعض الجرائم.
207 إدانات مقابل تراجع التتبعات القضائية
أظهرت الأرقام الواردة في التقرير أن السلطات التونسية فتحت تحقيقات مع 412 مشتبهاً بهم جدد خلال سنة 2025، مقابل 391 في السنة السابقة.
وتوزعت التحقيقات الجديدة بين 64 قضية تتعلق بالاستغلال الجنسي، و35 قضية مرتبطة بالعمل القسري، و313 حالة تندرج ضمن أشكال أخرى أو غير محددة من الاتجار بالأشخاص.
لكن عدد التتبعات القضائية تراجع من 278 سنة 2024 إلى 175 سنة 2025، توزعت بين 70 تتبعاً في قضايا الاستغلال الجنسي، و51 في قضايا العمل القسري، و54 في أشكال أخرى من الاتجار.
في المقابل، ارتفع عدد الإدانات من 61 سنة 2024 إلى 207 إدانات خلال سنة 2025، وأفادت السلطات بأن غالبية المدانين صدرت في حقهم أحكام بالسجن لمدة سنة على الأقل.
وتثير هذه الأرقام مفارقة بين ارتفاع عدد الإدانات وتراجع التتبعات القضائية الجديدة، بما يطرح تساؤلات بشأن مسار معالجة الملفات، مع ضرورة التمييز بين عدد التحقيقات والتتبعات والأحكام الصادرة خلال سنة واحدة.
عشرة مسؤولين محل ملاحقة وأربعة إدانات
لم يغفل التقرير المخاوف المتعلقة بالفساد وشبهات تورط مسؤولين في جرائم الاتجار بالأشخاص.
ووفق المعطيات الحكومية التي أوردها، تمت ملاحقة عشرة مسؤولين يُشتبه في تورطهم في خمس قضايا، وأُدين أربعة منهم.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى أن التقرير يعتبر التصدي لشبهات التواطؤ الرسمي ومحاسبة المتورطين من العناصر الأساسية لتعزيز فعالية جهود مكافحة الاتجار بالأشخاص.
كما أشار إلى أن محدودية قدرات بعض المسؤولين المكلفين بالتعامل المباشر مع الضحايا، وعدم التطبيق المنتظم لإجراءات تحديد هوياتهم وإحالتهم إلى الجهات المختصة، قد يحدّان من قدرة السلطات على كشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها.
542 ضحية خلال سنة واحدة
على مستوى حماية الضحايا، حددت السلطات التونسية هوية 542 ضحية للاتجار بالأشخاص خلال سنة 2025، مقابل 531 ضحية سنة 2024.
ومن بين هؤلاء، أُحيل 344 شخصاً إلى خدمات الدعم، مقابل 120 شخصاً في السنة السابقة.
وتشمل هذه الخدمات الإيواء والمساعدة النفسية والاجتماعية والرعاية الصحية والخدمات القانونية، فضلاً عن إعادة الإدماج والمساعدة على العودة إلى الوطن عند الاقتضاء.
وتواصل السلطات تطبيق الآلية الوطنية لإحالة ضحايا الاتجار بالأشخاص، التي تنظم إجراءات التعرف على الضحايا وتوجيههم إلى الجهات التي توفر الرعاية والمساعدة.
غير أن التقرير نبه إلى أن القيود المفروضة على بعض منظمات المجتمع المدني، بما فيها منظمات تشارك في هذه الآلية، أثرت في توافر الخدمات وفي ثقة الضحايا بالسلطات، وهو ما قد يصعّب الكشف عن حالات الاتجار.
كما أشار إلى أن الحكومة لم تفصح عن المبالغ المرصودة لخدمات الضحايا، وأنها أغلقت خلال الفترة المشمولة بالتقرير أحد الأماكن المخصصة للأطفال الضحايا في أحد مراكز الإيواء.
وتدير وزارة الشؤون الاجتماعية، وفق التقرير، ثلاثة مراكز لإيواء البالغين ومركزين للأطفال، مع تخصيص أماكن لاستقبال ضحايا الاتجار في مركزين على الأقل من مراكز إيواء البالغين.
وأكد التقرير أن حصول الضحايا على خدمات الحماية لا يُشترط فيه التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون أو الإدلاء بشهادات ضد المتاجرين.
تعويض بـ31 ألفاً و500 دينار
في ما يتعلق بجبر الضرر، أشار التقرير إلى إمكانية حصول الضحايا على تعويضات في إطار القضايا الجزائية، فضلاً عن حقهم في رفع دعاوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.
وسجل التقرير صدور حكم قضائي لفائدة أحد الضحايا يقضي بتعويضه بمبلغ 31 ألفاً و500 دينار تونسي.
لكن التقرير حذّر من أن عدم انتظام إجراءات الفحص والتعرف على الضحايا قد يحرم بعض المتضررين من الحماية اللازمة، بل قد يؤدي إلى معاقبة أشخاص على أفعال غير قانونية ارتكبوها نتيجة مباشرة لاستغلالهم.
المهاجرون والأطفال الأكثر عرضة للاستغلال
سلط التقرير الضوء على المخاطر التي تواجه الأطفال والمهاجرين واللاجئين، باعتبارهم من الفئات الأكثر عرضة لأشكال متعددة من الاتجار بالأشخاص.
وتشمل الانتهاكات التي رصدها التقرير التسول القسري، والعمل المنزلي، والاستغلال في القطاع الفلاحي والورش الصغيرة وورش إصلاح السيارات، فضلاً عن الاستغلال الجنسي، بما في ذلك عبر الإنترنت.
كما أشار إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لاستدراج ضحايا للاستغلال الجنسي، وإلى استغلال بعض الأطفال في التسول من قبل أشخاص قد يكونون من أفراد أسرهم.
وتشمل المخاطر أيضاً الأطفال التونسيين المشردين أو الذين يعتمدون على الشارع لكسب رزقهم، إذ قد يتعرضون للعمل القسري والاستغلال الجنسي، أو يجري استغلالهم في السرقة والتسول والاتجار بالمخدرات من قبل عصابات منظمة.
أما المهاجرون واللاجئون، فقد أشار التقرير إلى تعرضهم لمخاطر الاستغلال الجنسي والعمل القسري والاستعباد المنزلي. كما قد يواجه الأطفال المهاجرون غير المصحوبين بذويهم أشكالاً من الاستغلال خلال رحلتهم إلى تونس.
تعديل مجلة الشغل واستراتيجية جديدة للفترة 2026-2030
في مجال الوقاية، أشار التقرير إلى تعديل السلطات التونسية مجلة الشغل في ماي 2025، بهدف حظر المناولة في مجال اليد العاملة، وحصر اللجوء إلى عقود الشغل محددة المدة في حالات معينة، ومنع تحميل العمال رسوم التوظيف.
كما واصلت السلطات تنظيم نشاط وسطاء التوظيف، وتحميلهم المسؤولية المدنية والجزائية عن عمليات التوظيف الاحتيالي، إلى جانب تنفيذ أنشطة توعية وتوفير خط ساخن للتبليغ عن جرائم الاتجار المحتملة.
وأعدت الحكومة استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الاتجار بالأشخاص للفترة 2026-2030، لكنها كانت لا تزال في مرحلة التشاور الفني عند نهاية الفترة التي يغطيها التقرير.
وفي المقابل، سجل التقرير صعوبات في التنسيق بين الوزارات، مشيراً إلى أن الهيئة الوطنية المسؤولة عن وضع الاستراتيجية لم تنشر معلومات عن أعمالها للعموم منذ فيفري 2024.
كما تحدث عن توقف تبادل البيانات المتعلقة بالضحايا مع منظمات المجتمع المدني، وعن إفادات منظمات ناشطة في المجال بتعرضها لإجراءات وصفتها بالضارة، من بينها الملاحقة القضائية والمراقبة والترهيب.
28 قاضياً لمتابعة قضايا الاتجار بالأشخاص
على المستوى القضائي، عيّنت وزارة العدل قاضياً في كل محكمة ابتدائية، ليبلغ العدد الإجمالي 28 قاضياً مكلفين بمتابعة التحقيقات والتتبعات المتعلقة بجرائم الاتجار بالأشخاص.
كما واصلت الوزارة جمع الإحصاءات بشأن القضايا المعروضة على المحاكم، بالتوازي مع تنظيم دورات تدريبية للقضاة وأعوان الأمن ومسؤولي الهجرة وغيرهم من المتدخلين، بالتعاون مع منظمات دولية.
وشملت التدريبات التحقيقات المالية المرتبطة بالاتجار بالأشخاص، وطرق التعرف على الضحايا، وتعزيز قدرات العاملين الذين يتعاملون مباشرة مع الفئات الهشة.
لكن التقرير خلص إلى أن نقص الفحص المنهجي للفئات الأكثر عرضة للاستغلال، ومحدودية قدرات بعض المسؤولين، والصعوبات التي تواجه منظمات المجتمع المدني، ما تزال تمثل تحديات أمام جهود مكافحة هذه الجريمة.
وبين ارتفاع الإدانات وتحديد مئات الضحايا، من جهة، وتراجع التتبعات القضائية واستمرار الثغرات في الحماية، من جهة أخرى، يبرز التقرير أن رفع تصنيف تونس إلى المستوى الثاني لا يعني استكمال المعايير المطلوبة، بل يعكس تقدماً في بعض المؤشرات مع بقاء ملفات أساسية تتعلق بمساءلة المشتبه في تورطهم وحماية الضحايا وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
المصدر: وزارة الخارجية الأمريكية، التقرير السنوي حول الاتجار بالأشخاص، القسم الخاص بتونس، والمعطيات الحكومية المتعلقة بسنة 2025.
