عاد مشروع إعادة بناء الملعب الأولمبي بالمنزه إلى واجهة النقاش، بعد تداول معطيات تفيد بإسناد الصفقة إلى المجموعة الصينية للهندسة والإنشاءات الميكانيكية بكلفة تناهز 520 مليون دينار باعتبار جميع الأداءات، في مشروع يثير أسئلة بشأن كلفته وجدواه الاقتصادية ومستقبله بعد انتهاء الأشغال.
وفي هذا السياق، وجّه هشام العجبوني، الأمين العام للتيار الديمقراطي، انتقادات إلى التوجه نحو إعادة الملعب إلى الصورة التي كان عليها عند بنائه في أواخر ستينات القرن الماضي، معتبراً أن استحضار الذاكرة الرياضية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التفكير العقلاني في كيفية التصرف في المال العام.
ويرى العجبوني أن الإشكال لا يتعلق بأهمية الملعب الأولمبي بالمنزه أو بقيمته الرمزية في الذاكرة الرياضية التونسية، وإنما بطريقة تصور المشروع وتحديد أهدافه، ومدى قدرته على تحقيق مردودية اقتصادية تضمن استمراريته.
520 مليون دينار.. ماذا ستجني تونس مقابل هذه الكلفة؟
بحسب المعطيات المتداولة بشأن الصفقة، تبلغ كلفة المشروع 520 مليون دينار باعتبار جميع الأداءات. وتأتي هذه الخطوة بعد توقف مشروع التجديد السابق وإنهاء العقد المرتبط به، قبل التوجه نحو إعادة بناء المنشأة.
غير أن الإعلان عن إسناد الصفقة لا يجيب، في حد ذاته، عن جميع الأسئلة المتعلقة بالمشروع، خصوصاً ما يتصل بجدول الإنجاز، وآجال التسليم، وتفاصيل التمويل، وكلفة الاستغلال والصيانة مستقبلاً.
ويتمحور أحد أبرز الانتقادات التي أثارها العجبوني حول غياب تصور اقتصادي متكامل يجعل الملعب منشأة قادرة على توفير موارد مالية ذاتية، عوض أن يظل معتمداً على التمويل العمومي لتغطية نفقات تشغيله وصيانته.
ملعب يعمل طوال السنة أم منشأة لا تستيقظ إلا أيام المباريات؟
يشير العجبوني إلى أن الملاعب الحديثة لم تعد مجرد فضاءات لاحتضان المباريات، بل تحولت في تجارب عديدة إلى منشآت متعددة الوظائف، تضم فضاءات تجارية ومطاعم ومقاهي وقاعات للأنشطة الثقافية والترفيهية ومرافق أخرى قادرة على توفير مداخيل إضافية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن مشروعاً بحجم إعادة بناء ملعب المنزه كان يستوجب، بحسب رأيه، تصوراً يدمج النشاط الرياضي في منظومة اقتصادية أوسع، بما يسمح باستغلال المنشأة طوال الأسبوع وطوال السنة، وخلق فرص عمل وتنشيط محيطها الحضري.
ويكتسي موقع الملعب أهمية خاصة في هذا النقاش، باعتباره موجوداً في منطقة حضرية حيوية، ويمكن الوصول إليه عبر شبكة النقل العمومي، وهو ما يطرح إمكانات لتطوير محيطه واستغلاله بصورة أكثر تنوعاً.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى موارد فعلية يظل مرتبطاً بالدراسات والتصاميم المعتمدة، وبطبيعة المرافق التي سيتضمنها المشروع، وبكيفية التصرف في المنشأة بعد انتهاء الأشغال.
أسئلة عن الجدوى والصيانة ومستقبل المنشأة
طرح الأمين العام للتيار الديمقراطي جملة من التساؤلات بشأن الأسس التي استند إليها القرار، من بينها وجود دراسة جدوى اقتصادية واضحة، والكلفة النهائية للمشروع، والمردودية المنتظرة منه، والجهة التي ستتحمل أعباء الصيانة والتشغيل في السنوات المقبلة.
كما أثار مسألة غياب نقاش عمومي واسع حول الخيارات المعتمدة، معتبراً أن مشروعاً بهذه الكلفة والأهمية يستحق فتح المجال أمام الخبراء والمختصين والرأي العام لمناقشة بدائله.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية في ظل الضغوط المالية التي تواجهها تونس، إذ لا تتوقف كلفة المنشآت الكبرى عند مرحلة البناء، بل تشمل أيضاً الصيانة الدورية والتجهيزات والتسيير والطاقة والموارد البشرية.
بين الذاكرة الرياضية وحسابات المال العام
لا ينفي هذا الجدل القيمة التاريخية والرياضية للملعب الأولمبي بالمنزه، ولا أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية الرياضية في تونس. لكنه يعيد طرح سؤال أساسي: هل يكفي بناء منشأة حديثة أو استعادة شكلها السابق لضمان نجاح المشروع على المدى الطويل؟
بالنسبة إلى العجبوني، فإن الحفاظ على الرمزية المعمارية والرياضية للملعب لا ينبغي أن يحجب ضرورة اعتماد نموذج اقتصادي واضح، يحدد مصادر المداخيل ونفقات التشغيل وآليات الصيانة، ويضمن استغلال المنشأة بما يتناسب مع حجم الاستثمار العمومي.
وبين إسناد الصفقة والانطلاق الفعلي في تنفيذ المشروع، يبقى التحدي الأساسي هو تقديم إجابات واضحة عن كلفة الأشغال وآجالها، وشروط التمويل، ومواصفات المنشأة الجديدة، وكيفية ضمان استدامتها المالية.
فالمطلوب ليس مجرد إعادة بناء ملعب المنزه، بل ضمان ألا تتحول كلفة إنجازه إلى عبء متواصل على ميزانية الدولة، وأن يكون الاستثمار قادراً على خدمة الرياضة التونسية والمدينة والاقتصاد معاً.
