في مقال نشره موقع «الجزيرة»، يتناول الكاتب حازم بدر واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في العالم العربي: هجرة العلماء والباحثين، والفجوة القائمة بين ما تنفقه الدول على التعليم والتكوين وبين قدرتها على تحويل المعرفة إلى تكنولوجيا ومنتجات وثروة.
الفكرة لا تتعلق فقط بباحث يغادر بلده بحثاً عن ظروف أفضل. المشكلة أوسع من ذلك، لأن مغادرة الكفاءة غالباً ما تعني انتقال المعرفة والخبرة والمشاريع والأفكار إلى منظومة أخرى قادرة على احتضانها وتطويرها والاستفادة منها اقتصادياً.
هذه النقطة تحديداً توقف عندها المهندس محمد الخذيري في تعليقه على مقال حازم بدر، مستعيداً عبارة كان أحد أساتذته في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس يرددها:
«البحث في تونس، والتطوير في أوروبا.»
عبارة قصيرة، لكنها تختصر جانباً كبيراً من المشكلة.
فتونس قادرة على تكوين الباحث والمهندس، ولديها جامعات ومخابر وكفاءات علمية، لكن الحلقة التي تربط البحث بالتطوير الصناعي والتجاري لا تزال ضعيفة. ولهذا قد تنتهي الفكرة التي تبدأ في جامعة تونسية في مختبر أو شركة أوروبية، حيث تتوفر إمكانيات أكبر للتمويل والتطوير وحماية الملكية الفكرية والوصول إلى السوق.
المهندس الخذيري يلفت أيضاً إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: اختيار مواضيع البحث نفسها.
فالبحث العلمي لا يعيش خارج محيطه. تونس لديها مشاكلها الخاصة في المياه والطاقة والتبريد والزراعة والتصحر، وهي مجالات يمكن أن تتحول فيها الحاجة المحلية إلى مصدر لأبحاث وتكنولوجيات قابلة للتطوير والتسويق.
ويقدم الخذيري مثال الزيتون، وهو مثال تونسي بامتياز.
تونس تملك الزيتون، والباحثين، والجامعات، والخبرة، كما تملك كميات كبيرة من المخلفات التي يمكن تثمينها. ومع ذلك، لا تزال المسافة كبيرة بين المعرفة الموجودة وبين بناء تكنولوجيا تونسية متكاملة حول الزيتون ومشتقاته ومخلفاته، سواء في الصناعات الغذائية أو مستحضرات التجميل أو المجالات الدوائية وغيرها.
المشكلة هنا ليست غياب الباحث، بل غياب السلسلة التي تسمح للبحث بأن ينتقل من الورق إلى المختبر، ومن المختبر إلى الاختراع، ومن الاختراع إلى المنتج، ثم إلى شركة قادرة على المنافسة.
وهذه السلسلة هي التي يختصرها الخذيري في معادلة واضحة:
استثمار → بحث → ملكية فكرية → تطوير → منتج → قوة اقتصادية.
عندما تنقطع هذه السلسلة، يصبح البحث العلمي معزولاً عن الاقتصاد، وتصبح الجامعة مكاناً لإنتاج المعرفة من دون أن تكون هذه المعرفة جزءاً فعلياً من دورة الإنتاج.
وتزداد المشكلة وضوحاً عند الحديث عن حجم الإنفاق على البحث والتطوير. فالخذيري يشير إلى أن الإنفاق في المنطقة العربية بلغ نحو 0.61 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2021، مقابل حوالي 2.7 بالمائة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لكن المال وحده لا يصنع منظومة بحث ناجحة. فزيادة التمويل تحتاج إلى بيئة تستقطب الباحث، وشركات قادرة على الاستثمار في الابتكار، وقوانين تحمي الاختراعات، وآليات تسمح بتحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق.
ومن هنا تأتي أهمية الملكية الفكرية، وهي حلقة أخرى يرى الخذيري أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي.
في الاقتصاد الحديث، يمكن لفكرة برمجية أو تقنية أن تتحول إلى شركة عالمية. ولذلك فإن حماية الابتكار ليست مسألة قانونية هامشية، بل جزء من القدرة على بناء قيمة اقتصادية حول المعرفة.
المفارقة أن الدول العربية تنفق سنوات طويلة في تكوين الباحث والمهندس، ثم تأتي دول أخرى لتوفر له المختبر والتمويل والشركة والسوق.
وعندما يغادر الباحث، لا يغادر وحده. تغادر معه سنوات من الاستثمار في تكوينه، وخبرته، وشبكة علاقاته، وأحياناً مشروع كامل كان يمكن أن يتحول إلى اختراع أو شركة أو منتج داخل بلده.
وهنا تلتقي الفكرة التي طرحها حازم بدر في «الجزيرة» مع قراءة محمد الخذيري للحالة التونسية: المشكلة ليست فقط في هجرة الأدمغة، وإنما في عجز المنظومة عن الاحتفاظ بثمار هذه العقول.
تونس لا تستطيع، وربما لا تحتاج، إلى منع كفاءاتها من السفر. المطلوب هو أن يصبح البقاء خياراً ممكناً أيضاً، وأن يجد الباحث التمويل والمخبر، والمخترع حماية لفكرته، والمهندس مؤسسة تطور مشروعه، والشركة سوقاً تسمح لها بالنمو.
عندها فقط يمكن أن تتغير المعادلة.
فبدلاً من أن يكون البحث في تونس والتطوير في أوروبا، يصبح البحث والتطوير والمنتج جزءاً من منظومة واحدة داخل تونس.
والفرق بين الحالتين ليس فرقاً في المكان فقط، بل فرق بين بلد ينتج المعرفة وبلد يستطيع أيضاً أن يحولها إلى ثروة.
