من 11 قاعة سينما ونوادٍ ثقافية مزدهرة إلى مدينة ينتظر جمهورها إعادة فتح قاعة واحدة
صفاقس ليست مدينة بلا ذاكرة سينمائية. على العكس تماماً، فقد كانت لعقود واحدة من أهم المدن التونسية في علاقة الجمهور بالسينما، حتى إن أرشيفها يوثق وجود عدد كبير
من القاعات ونشاطاً لافتاً لنوادي السينما منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
لكن المدينة التي عرفت قاعات مثل «الروايال» و«المودرن» الذي أصبح لاحقاً «الكوليزي»، و«الراكس» و«الهلال» و«المونديال» و«الماجستيك» و«النور» و«الكوكب» و«بغداد» و«الأطلس»، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة ثقافية كبيرة: مدينة بحجم صفاقس وجمهورها الواسع لا تكاد تجد فيها قاعة سينما مفتوحة أمام الجمهور.
وبحسب مصادر تاريخية محلية، بلغ عدد قاعات السينما في صفاقس في مراحل مختلفة 11 قاعة، بينما تتحدث شهادات عن سبع قاعات كانت ناشطة في فترة لاحقة. اختلاف الأرقام يعود أساساً إلى اختلاف الفترات الزمنية التي يتناولها كل مصدر، لكن الثابت أن السينما كانت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والثقافية للمدينة.
من «لويس لوميير» إلى نوادي السينما
ولم تكن صفاقس مجرد مدينة تستقبل الأفلام وتبيع تذاكرها. فقد كانت أيضاً فضاءً مهماً لنشأة الثقافة السينمائية في تونس.
ففي سنة 1948 ظهر نادي «لويس لوميير» الذي استقطب منذ بداياته مئات المنخرطين. وتذكر مصادر تاريخية أن عدد أعضائه بلغ 385 في سنته الأولى قبل أن يرتفع إلى نحو 500.
وفي سنة 1954 تأسس نادي السينما للشباب بصفاقس، في فترة كانت فيها السينما تتحول تدريجياً إلى وسيلة للتثقيف والنقاش، وليس مجرد فرجة. وكان من بين الأسماء التي ساهمت في نشر هذا الشغف بالسينما في الوسط المدرسي والثقافي الطاهر شريعة، الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ السينما التونسية.
ويستعيد عبد الفتاح الشلّي، مستغل قاعتي «الكوكب» و«الكوليزي»، هذه المرحلة في رسالة وجهها إلى وزيرة الشؤون الثقافية في 25 سبتمبر 2026، قائلاً إن حركة نوادي السينما كانت في أوج ازدهارها في صفاقس خلال منتصف خمسينيات القرن الماضي.
ويشير الشلّي في رسالته إلى دور الأساتذة الطاهر شريعة والنوري الزنزوري وخليفة الشاطر في غرس «شغف السينما والولع بالفن السابع» لدى التلاميذ.
ومن صفاقس، كما يذكر في رسالته، بدأ التفكير في تنظيم مهرجان سينمائي، قبل أن تتطور الفكرة وتجد طريقها إلى التأسيس الرسمي لأيام قرطاج السينمائية سنة 1966.
مدينة كانت تملك جمهوراً وقاعات
في تلك السنوات، لم تكن المشكلة هي البحث عن قاعة لعرض فيلم. كانت القاعات جزءاً من المشهد العمراني والاجتماعي للمدينة.
«الكوليزي»، «الراكس»، «الهلال»، «النور»، «الماجستيك»، «الكوكب»، «بغداد» وغيرها، كانت أسماء معروفة لدى أجيال من الصفاقسيين.
وفي بعض الفترات، كانت قاعات معينة تستقبل عروض نوادي السينما، بما يجعل العلاقة بالسينما تتجاوز الفيلم التجاري إلى النقاش والتكوين واكتشاف السينما العالمية.
لكن هذه الخريطة أخذت تتقلص تدريجياً.
وبحلول السنوات الأخيرة، لم يبق في صفاقس سوى قاعتي «الكوكب» و«الكوليزي» باعتبارهما آخر ما تبقى من النشاط السينمائي التجاري التقليدي في المدينة. ثم دخلت القاعتان بدورهما في أزمة التجهيز والتمويل والصيانة.

وفي 2020، تحدثت مصادر محلية عن وصول المدينة إلى وضع غير مسبوق: 11 قاعة تاريخياً مقابل صفر قاعة مفتوحة.
وفي يناير 2024، أعاد الكاتب حاتم بريال طرح المفارقة، متسائلاً عن مدينة يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة ولا توجد فيها قاعة سينما، مستحضراً أسماء عدد من القاعات التي اختفت من المشهد.
رسالة جديدة.. والرهان على أيام قرطاج السينمائية
اليوم، يحاول عبد الفتاح الشلّي إعادة الملف إلى طاولة وزارة الشؤون الثقافية.
في رسالته المؤرخة في 25 سبتمبر الماضي، يقول الشلّي إنه سبق أن وجه إلى الوزارة عدداً من الرسائل والعرائض بشأن وضعية قاعتي «الكوكب» و«الكوليزي»، مطالباً بتخصيص منحة لإعادة تأهيلهما.
ويشير إلى أن مراسلته الأخيرة لاقت، حسب قوله، تجاوباً من الوزارة، تمثل في إعطاء الإذن للمركز الوطني للسينما والصورة بتقديم الدعم للقاعتين.
غير أن الدعم، وفق الشلّي، لم يصل بعد، وهو ما دفعه إلى توجيه رسالة جديدة يطلب فيها التسريع في صرف المنحة.
والسبب هذه المرة يتجاوز إنقاذ قاعتين.
فالشلّي يريد أن تكون قاعة واحدة على الأقل جاهزة لاحتضان بعض عروض أيام قرطاج السينمائية بمناسبة الاحتفال بمرور ستين سنة على تأسيس المهرجان.
ويكتب في رسالته أن الجمهور الصفاقسي «يتطلع إلى استعادة مدينته نشاط الاستغلال السينمائي»، معتبراً أن الشغف بالسينما أصبح جزءاً من هوية المدينة الثقافية.
مفارقة صفاقس
المفارقة أن صفاقس، التي كانت من المدن التي ساهمت في تكوين جمهور السينما في تونس وفي دفع حركة نوادي السينما، أصبحت اليوم تبحث عن قاعة واحدة تعرض فيها الأفلام.
والمفارقة تصبح أكبر عندما يتعلق الأمر بأيام قرطاج السينمائية، المهرجان الذي ارتبط تاريخياً بصفاقس وبأسماء مثل الطاهر شريعة وبالحركة الثقافية التي سبقت تأسيسه.
لذلك لا تبدو رسالة عبد الفتاح الشلّي مجرد مطالبة بمنحة لإصلاح قاعتين. إنها، في جوهرها، مطالبة بإعادة السينما إلى مدينة كانت السينما جزءاً من حياتها الثقافية لعقود.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تستعيد صفاقس قاعة سينما قبل انطلاق الاحتفال بستينية أيام قرطاج السينمائية، أم تحتفل المدينة بتاريخها السينمائي من دون شاشة واحدة؟