الرئيسية آخر الأخبار الخبز الذي تتحدث عنه الدولة ولا نراه.. 3 سنوات من الوعود

الخبز الذي تتحدث عنه الدولة ولا نراه.. 3 سنوات من الوعود

0
5
blank

سلوى بن حديد تتحدث مجدداً عن خبز أكثر صحة.. ماذا تحقق منذ أول تجربة قبل نحو ثلاث سنوات؟

منذ ديسمبر 2023، والسلطات التونسية تتحدث عن تغيير تركيبة الخبز المدعم ورفع قيمته الغذائية عبر اعتماد فارينة أكثر غنى بالألياف. وبين تجربة تذوق، ووعود بالطرح في الأسواق، ومطالب بالإسراع في التنفيذ، ثم قرار رسمي صدر في أفريل 2026، ظل السؤال نفسه مطروحاً: متى يصبح «خبز الألياف» خبزاً يومياً في المخابز التونسية؟

آخر فصول القصة جاء أمس، عندما أكدت الرئيسة المديرة العامة لديوان الحبوب سلوى بن حديد أن الدولة حريصة على الرفع من القيمة الغذائية للخبز، معتبرة أن زيادة نسبة النخالة تجعل الخبز أكثر فائدة من الناحية الصحية.

لكن تصريح أوت 2026 لا يمكن فصله عن مسار بدأ قبل نحو ثلاث سنوات.

ديسمبر 2023: البداية.. خبز جديد وسعر لم يتغير

في 15 ديسمبر 2023، نظمت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري يوماً إعلامياً مصحوباً بحصة تذوق حول تجربة رفع نسبة الألياف الغذائية في الفارينة المستعملة لصناعة الخبز.

وكانت التجربة تحظى بدعم عدة وزارات وهياكل، من بينها وزارات الفلاحة والتجارة والصحة، وديوان الحبوب وهياكل مهنية وممثلون عن الجهات المانحة والمجتمع المدني. ويؤكد ديوان الحبوب رسمياً أن الحصة تضمنت تذوق الخبز المنتج في إطار التجربة.

في ذلك اليوم، أعلنت الرئيسة المديرة العامة لديوان الحبوب آنذاك، سلوى بن حديد الزواري، أن طريقة استخراج الفارينة من القمح اللين ستتغير للحصول على فارينة غنية بالألياف والفيتامينات، دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطن.

وكانت الفكرة تقوم على رفع كمية الفارينة المستخرجة من كل 100 كيلوغرام من القمح اللين من 78 كيلوغراماً إلى نحو 85 كيلوغراماً، بما يسمح بالحفاظ على جزء أكبر من مكونات الحبة، وبالتالي رفع محتوى الألياف والمعادن والفيتامينات.

أما سعر «الباقات» في التجربة فكان 190 مليماً، أي أن التغيير المقترح لم يكن مقروناً بزيادة في السعر.

بمعنى آخر، في ديسمبر 2023 لم يكن «خبز النخالة» مجرد فكرة نظرية، بل كانت هناك تجربة فعلية وخبز تم إنتاجه وتذوقه.

2024: كان يفترض أن يصل إلى المخابز.. لكنه تأجل

بعد إطلاق التجربة، كان السؤال الطبيعي: متى يبدأ التوزيع؟

لكن سنة 2024 لم تشهد التعميم الموعود.

وفي مارس 2024، كان الحديث عن تأجيل انطلاق صناعة وتوزيع خبز النخالة إلى أفريل أو ماي، بعد أن كان من المنتظر أن يبدأ قبل شهر رمضان. وهو ما يكشف أن الانتقال من التجربة إلى الإنتاج التجاري والمدعم لم يكن بالسرعة التي أوحت بها تصريحات ديسمبر 2023.

وهكذا دخل المشروع أول مرحلة انتظار: التجربة موجودة، لكن الإطار التنظيمي الضروري لتغيير نسب استخراج الفارينة لم يكن قد استُكمل.

فيفري 2025: سؤال رسمي تقريباً.. لماذا لم يطبق المشروع؟

بعد أكثر من عام على التجربة، عاد الملف إلى الواجهة بشكل لافت.

ففي 1 فيفري 2025، طرح الخبير في الشأن الفلاحي أنيس بن ريانة سؤالاً مباشراً: متى سيُطبق إعلان الترفيع في نسبة الألياف في الخبز المدعم؟

وأشار إلى أن التغيير يتطلب تنقيح القرار المتعلق بنسب استخراج الدقيق والسميد، واقترح أن يبدأ التطبيق مع شهر رمضان في بداية مارس 2025.

والأهم أن بن ريانة ذكّر بأن إعلان ديسمبر 2023 كان يستهدف الانتقال من 78 إلى 85 بالمائة، متسائلاً عن أسباب عدم تطبيقه بعد أكثر من عام على الإعلان عنه.

وهنا يتضح أن المشكلة لم تكن في غياب الفكرة، ولا في عدم وجود تجربة، وإنما في تأخر تحويلها إلى إطار تنظيمي قابل للتطبيق.

جويلية 2025: المشروع يصل إلى البرلمان.. لكنه ما زال مشروعاً

في 17 جويلية 2025، عقدت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة جلسة استماع حول منظومة الخبز و«خبز الألياف».

وقدّم ممثلو وزارة الفلاحة عرضاً حول المشروع، أكدوا فيه أن الهدف هو رفع نسبة استخراج الفارينة من القمح اللين المخصصة للخبز المدعم من 78 إلى 85 بالمائة، بما يزيد محتوى الألياف والمعادن والفيتامينات.

كما تضمن المشروع التوجه نحو خفض كمية الملح في الخبز بنسبة 30 بالمائة.

لكن المفارقة أن المشروع كان لا يزال يحتاج إلى قرار وزاري.

فممثلو وزارة الصحة دعوا إلى الإسراع بإصدار القرار، فيما تساءل النواب عن تاريخ الانطلاق في تسويق خبز الألياف.

بل إن اللجنة قررت توجيه مراسلة إلى السلطة التنفيذية من أجل التسريع في إجراءات إصدار القرار الوزاري. وفي المقابل، أكد ممثلو السلطة التنفيذية أن مراحل المشروع قد استُكملت وأن هناك حرصاً على التسريع في تنفيذه.

أي أنه في منتصف 2025، وبعد نحو 19 شهراً من تجربة ديسمبر 2023، كان المشروع لا يزال في انتظار القرار التنظيمي.

أفريل 2026: القرار يصدر أخيراً

التحول الحقيقي جاء في 2 أفريل 2026.

فقد صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في العدد 35 بتاريخ 3 أفريل، قرار مشترك بين وزيري الفلاحة والتجارة يتعلق بتعيين نسب استخراج الدقيق والسميد.

ونص القرار على:

  • استخراج السميد من القمح الصلب بنسبة 70 بالمائة.
  • استخراج الدقيق المخصص لصنع الخبز من القمح اللين بنسبة 85 بالمائة.
  • استخراج الدقيق المخصص للخبز الرفيع والحلويات بنسبة 71 بالمائة.

وبذلك أصبح ما كان مجرد مشروع منذ 2023 قاعدة تنظيمية منشورة رسمياً.

وهذه نقطة مهمة: قرار أفريل 2026 ليس مجرد إعلان جديد عن خبز النخالة، بل هو الإطار القانوني الذي يضع نسبة استخراج دقيق الخبز عند 85 بالمائة.

أفريل 2026: «سينطلق خلال أيام».. ولكن

بعد صدور القرار، بدت الصورة وكأن النهاية أصبحت قريبة.

ففي 11 أفريل 2026، نقلت «الصباح» عن رئيس الغرفة الوطنية للمخابز يحيى موسى أن الإنتاج الفعلي والرسمي للخبز المدعم الغني بالألياف سينطلق خلال أيام.

وأوضح أن المطاحن كانت بصدد إجراء تعديلات تقنية على معداتها للانتقال من استخراج 78 بالمائة إلى 85 بالمائة، وأن المخابز المصنفة والمدعمة ستتولى إنتاج الخبز الجديد، مع الحفاظ على السعر المعلن: 190 مليماً للباقات و230 مليماً للخبز العادي.

مرة أخرى، إذن، كان الموعد قريباً.

لكن الواقع كشف أن صدور القرار لم يعنِ أن عملية التعميم أصبحت فورية.

ماي 2026: القرار موجود.. والفارينة الجديدة غير متوفرة بما يكفي

في 22 ماي 2026، انعقدت جلسة عمل في بن عروس خصصت تحديداً لمتابعة تنفيذ قرار تعميم الخبز الغني بالألياف.

وهنا تظهر أهم معلومة في كامل التسلسل الزمني.

فالجلسة بحثت أسباب النقص والإشكاليات العالقة أمام تعميم هذا النوع من الفارينة في المخابز.

أي أنه بعد أكثر من شهر ونصف من صدور القرار، كانت هناك مشاكل عملية ولوجستية وتنظيمية حالت دون توفر الفارينة الجديدة بشكل كافٍ في المخابز المدعمة بالجهة.

وانتهت الجلسة إلى ضرورة متابعة الملف على المستوى الوطني والتواصل مع الوزارات المعنية والعمل على إيجاد الآليات الكفيلة بتفعيل القرار على النطاق الوطني.

وهذه الواقعة تنسف أي انطباع بأن نشر القرار في الرائد الرسمي كان يعني تلقائياً أن الخبز الجديد أصبح متوفراً في كل المخابز.

وماذا تحقق فعلياً حتى أوت 2026؟

الصورة التي ترسمها الوثائق والتصريحات المتاحة أكثر تعقيداً من عبارة «المشروع فشل» أو «المشروع نجح».

ما تحقق:

أولاً، تم إنتاج خبز تجريبي وتذوقه في ديسمبر 2023.

ثانياً، تم تحديد التوجه العلمي والتقني نحو رفع نسبة استخراج الفارينة من 78 إلى 85 بالمائة.

ثالثاً، ناقشت السلطة التشريعية المشروع في جويلية 2025 وطالبت بتسريع تنفيذه.

رابعاً، صدر أخيراً القرار المشترك في 2 أفريل 2026، فأصبح رفع نسبة استخراج دقيق الخبز إلى 85 بالمائة منصوصاً عليه رسمياً.

خامساً، بدأت مرحلة تنفيذ فعلية، بدليل الحديث عن تعديل تجهيزات المطاحن ومتابعة توفر الفارينة الجديدة في الجهات.

لكن ما لم يتحقق بالكامل، وفق ما تكشفه المعطيات المتاحة، هو التعميم الوطني السلس والسريع.

ففي ماي 2026 كانت هناك بالفعل إشكاليات في توفر الفارينة الجديدة في المخابز المدعمة ببن عروس، وكانت الجهات المعنية لا تزال تبحث في أسباب التأخير والعراقيل العملية.

ولذلك لا يمكن القول إن «خبز النخالة» أصبح، منذ أفريل أو ماي، خبزاً متوفراً بشكل موحد في جميع المخابز التونسية.

أوت 2026: نعود إلى نقطة البداية؟

هنا تكمن المفارقة التي تفسر لماذا أثار تصريح سلوى بن حديد أمس الانتباه.

بعد نحو 32 شهراً من تجربة ديسمبر 2023، وبعد قرار رسمي صدر في أفريل 2026، ما زالت الدولة تعيد التأكيد على أن رفع نسبة النخالة يرفع القيمة الغذائية للخبز.

المشكلة ليست في المبدأ؛ فالملف أصبح مدعوماً بتجربة، ومشروع، ونقاش برلماني، وقرار رسمي.

المشكلة في السؤال الأبسط:

كم مخبزة تونسية تبيع اليوم فعلياً الخبز المدعم المصنوع بالفارينة ذات نسبة الاستخراج 85 بالمائة؟

وهذا السؤال لم نعثر، في المعطيات المنشورة التي أمكن التثبت منها حتى 19 أوت 2026، على رقم وطني رسمي واضح يجيب عنه.

بل إن آخر معطى ميداني موثق وجدناه كان في ماي 2026، عندما كانت جلسة جهوية في بن عروس تبحث أسباب نقص الفارينة الجديدة وتعثر تعميمها.

من «تجربة» إلى «قرار».. وما زال ينقصنا «الرقم»

قصة خبز النخالة تكشف شيئاً مهماً في طريقة تنفيذ السياسات العمومية في تونس.

في ديسمبر 2023 كانت هناك تجربة.

في 2024 كان هناك تأجيل.

في فيفري 2025 كان هناك سؤال عن سبب عدم التطبيق.

في جويلية 2025 وصل الملف إلى البرلمان، مع دعوات لإصدار القرار.

في أفريل 2026 صدر القرار.

وفي ماي 2026 ظهرت مشاكل في التعميم الجهوي.

وفي أوت 2026 يعود المسؤولون للتأكيد على أهمية الخبز الغني بالألياف.

أي أن المسار لم يكن انعداماً كاملاً للتنفيذ، لكنه كان أبطأ بكثير من الوعود الأولى.

والفارق هنا مهم.

فالقول إن «خبز النخالة لم يتحقق إطلاقاً» غير دقيق؛ فقد كانت هناك تجربة، ثم قرار، ثم خطوات تنفيذية.

لكن القول إن المشروع تعمم وطنياً وأصبح واقعاً مستقراً في كل المخابز لا تدعمه المعطيات التي أمكن التثبت منها حتى الآن.

ولهذا فإن السؤال الذي يفترض أن تجيب عنه وزارة الفلاحة وديوان الحبوب ووزارة التجارة اليوم ليس: هل الخبز الغني بالألياف صحي؟

فهذا الجزء حُسم منذ سنوات.

السؤال هو:

كم طنّاً من الفارينة ذات نسبة الاستخراج 85 بالمائة أنتجت المطاحن منذ أفريل؟ كم مخبزة تستعملها؟ وفي أي ولايات؟ وكم رغيفاً مدعماً من «خبز الألياف» يصل يومياً إلى المستهلك؟

عندها فقط يمكن الانتقال من لغة الوعود والتجارب والقرارات إلى لغة النتائج.

فبعد قرابة ثلاث سنوات من أول تجربة، المواطن لا يحتاج إلى تجربة تذوق جديدة ولا إلى إعلان جديد؛ يحتاج إلى أن يجد الرغيف فعلياً في المخبزة القريبة من منزله.