يصل الصحفي والكاتب التلفزيوني الإيطالي بابلو ترينتشيا يوم السبت 19 سبتمبر على الساعة التاسعة والربع مساءً إلى المسرح الروماني، لتقديم عرضه المسرحي «الرجل الخطأ – تحقيق مباشر»، في عرض واحد يتناول واحدة من أكثر قضايا سوء تطبيق العدالة إثارة للجدل في إيطاليا، وتتمحور حول التونسي عزالدين السباعي.
العرض، الذي كتب بالتعاون مع ديبورا كامبانيلا، يمثل أول تجربة مسرحية لترينتشيا، وقد انطلقت جولته في أواخر العام الماضي، محققاً نجاحاً في عدد من المدن الإيطالية، من بينها لاتينا وميلانو وبولونيا.
ويعيد العرض فتح ملف قضائي بالغ التعقيد يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما اتُهم عدد من الأشخاص بقتل نساء مسنات في إقليم بوليا، قبل أن تظهر لاحقاً اعترافات التونسي عزالدين السباعي، الذي أقر سنة 2006، وهو داخل السجن، بأنه ارتكب 14 جريمة قتل لنساء مسنات في بوليا بين عامي 1995 و1997.
وأثارت اعترافاته اضطراباً كبيراً في عدد من الملفات القضائية، خصوصاً أن بعض الأشخاص كانوا قد أدينوا بجرائم لم يكن واضحاً بعد ذلك مدى صلتهم بها، ما جعل القضية واحدة من أكثر الأمثلة إثارة للجدل حول الأخطاء التي يمكن أن ترافق التحقيقات والمحاكمات الجنائية.
لكن قصة عزالدين السباعي لم تنته عند الاعترافات والأحكام القضائية، بل أخذت منحى أكثر مأساوية داخل السجن.
ففي مدينة بادوفا، توفي السباعي عن عمر 49 عاماً في قسم الإنعاش بالمستشفى، بعد أن عُثر عليه في اليوم السابق مشنوقاً داخل زنزانته في سجن بادوفا.
وأعلن محاميه، المحامي البندقي لوتشيانو فاراون، وفاته، لكنه أثار في الوقت نفسه شكوكاً بشأن فرضية الانتحار، مطالباً بإجراء تشريح لجثمانه للكشف عن ملابسات الوفاة.
ويقول المحامي إن موكله كان يعيش في وضع قانوني كان يمكن أن يفتح أمامه باباً جديداً لإعادة النظر في عدد من القضايا التي صدرت فيها أحكام بحقه.
ويستند المحامي، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الإيطالية، إلى قرار حديث لمحكمة النقض الإيطالية ألغى مع الإحالة حكماً يتعلق بإحدى جرائم القتل المنسوبة إلى السباعي في مدينة لوتشيرا، وهو ما اعتبره الدفاع فرصة لإعادة النظر في ملفات أخرى.
وبحسب رواية المحامي، كان السباعي يعاني منذ طفولته من إصابة خطيرة في الدماغ أثرت في قدرته على الإدراك والإرادة. ويقول الدفاع إن الإصابة تعود إلى حادث وقع عندما كان في السابعة من عمره، بعدما ضربه والده على رأسه بمفتاح إنجليزي، ما تسبب له في أضرار دماغية خطيرة.
ويرى المحامي أن هذه المعطيات كان يمكن أن تكون ذات أهمية حاسمة في مراجعة الأحكام الصادرة بحق موكله، بل إنها كانت تمنحه، بحسب تقديره، أملاً في العودة إلى تونس أو الانتقال إلى مركز متخصص يتلاءم مع حالته الصحية.
وكان السباعي قد صدر بحقه خمسة أحكام بالسجن المؤبد على خلفية خمس جرائم قتل لنساء، بينما أثارت اعترافاته بارتكاب 14 جريمة أخرى جدلاً واسعاً حول مدى مسؤوليته الفعلية عن جميع الجرائم التي نسبها إلى نفسه، وحول ما إذا كانت الاعترافات قد ساهمت في كشف الحقيقة أم زادت من تعقيد ملفات قضائية كانت قد حُسمت.
وتعيد هذه التفاصيل طرح سؤال جوهري حول قضية السباعي: هل كان التونسي قاتلاً متسلسلاً كما وصفته وسائل الإعلام الإيطالية، أم أن قصته أكثر تعقيداً مما توحي به الأحكام والاعترافات؟
وهنا تحديداً يأتي عرض «الرجل الخطأ»، الذي لا يكتفي بسرد وقائع القضية، وإنما يسعى إلى دفع الجمهور إلى التفكير في الأخطاء التي يمكن أن تحدث داخل منظومة العدالة، وفي الثمن الذي قد تدفعه عائلات بأكملها عندما تنحرف التحقيقات عن مسارها الصحيح.
وتزداد القضية تعقيداً بسبب ما خلفته من آثار على عائلات المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام، وعلى عائلات الضحايا، وعلى السباعي نفسه، الذي ظل اسمه مرتبطاً لسنوات بلقب «قاتل العجائز المتسلسل» في الصحافة الإيطالية.
ويرغب ترينتشيا من خلال هذا العمل في وضع الجمهور أمام مجموعة من الأسئلة أكثر من تقديم إجابات جاهزة، بحيث يغادر المتفرج قاعة المسرح، وفق فكرة العرض، «ورأسه مليء بالأسئلة وقلبه ممتلئ بالغضب».
وهكذا تنتقل قصة عزالدين السباعي من ملفات المحاكم والسجون إلى خشبة المسرح، لتصبح مجدداً موضوعاً لنقاش حول العدالة، والاعترافات، والأخطاء القضائية، والمسؤولية الجنائية، وما يمكن أن يحدث عندما تتداخل هذه العناصر في قضية واحدة امتدت تداعياتها لسنوات طويلة.
ومع وفاة السباعي داخل السجن، تظل العديد من الأسئلة المرتبطة بملفه مفتوحة، خصوصاً بعد طلب محاميه إجراء تشريح للجثمان وتشكيكه في فرضية الانتحار، في وقت كان الدفاع يرى أن التطورات القضائية الأخيرة قد تفتح أمام موكله إمكانية إعادة النظر في عدد من الأحكام الصادرة بحقه.
