5000 مسكن في خمس سنوات، أراضٍ عمومية بدينار رمزي وقروض دون فوائد… برنامج حكومي يفتح باب الأمل أمام الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل
في تونس، لم يعد امتلاك مسكن حلماً بسيطاً بالنسبة إلى آلاف العائلات. فارتفاع أسعار العقارات، وتزايد كلفة مواد البناء، وصعوبة الحصول على التمويل البنكي، جعلت من شراء منزل مهمة شاقة حتى بالنسبة إلى أصحاب الدخل القار.
وسط هذه الأزمة المتواصلة، تعود الدولة إلى طرح صيغة جديدة تحت عنوان « الكراء المفضي إلى التملك »، وهو برنامج يهدف إلى تمكين المواطنين من الحصول على مساكن عبر دفع أقساط شهرية تتحول في النهاية إلى ملكية.
وقد أعلن وزير التجهيز والإسكان والمكلّف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، صلاح الزواري، عن انطلاق أولى مشاريع هذا البرنامج في عدد من الولايات، مؤكداً أن الدولة ستوفر دعماً مهماً لتقليص كلفة السكن وجعل هذه المساكن في متناول فئات أوسع من التونسيين.
الدولة تتدخل لتخفيض الأسعار
أبرز ما يميز البرنامج هو تدخل الدولة في عدة مراحل. فالأراضي العمومية المخصصة للمشاريع سيتم وضعها على ذمة البرنامج مقابل دينار رمزي، وهو إجراء يهدف إلى تخفيض الكلفة النهائية للمساكن.
كما سيتم إحداث صندوق خاص للتمويل يمنح قروضاً دون فوائد للمستفيدين، بما يسمح بتقليل قيمة الأقساط الشهرية مقارنة بالقروض السكنية التقليدية التي تثقل كاهل المواطنين بسبب نسب الفائدة المرتفعة.
ويرى أصحاب المشروع أن هذه الآلية يمكن أن تساعد شريحة واسعة من الموظفين والعمال الذين يجدون أنفسهم اليوم بين صعوبة دفع معاليم الكراء وعدم القدرة على شراء منزل.
من هو المستفيد؟
يعتمد البرنامج على مبدأ بسيط: المواطن لا يشتري المسكن مباشرة، بل يبدأ بدفع أقساط شهرية في إطار عقد كراء، ثم يصبح المسكن ملكاً له بعد استكمال دفع المبالغ المطلوبة.
وسيكون الانتفاع موجهاً خصوصاً إلى أصحاب الدخل القار في القطاعين العام والخاص، على أن يتم تحديد قائمة المستفيدين وفق معايير مضبوطة.
ولضمان الشفافية، أعلنت الوزارة عن اعتماد منصة رقمية لاختيار المنتفعين. وسيتم فتح باب التسجيل عندما تبلغ المشاريع نسبة تقدم تصل إلى 80 بالمائة.
هذه المنصة ستتولى دراسة الملفات وترتيبها آلياً وفق الأولويات، مع تخصيص فترة للاعتراضات والطعون، بهدف الحد من التدخلات البشرية وضمان تكافؤ الفرص.
5000 مسكن… بداية أم خطوة محدودة؟
البرنامج الحالي يندرج ضمن خطة لإنجاز حوالي 5000 مسكن خلال خمس سنوات موزعة على عدد من الولايات، وستشرف على إنجازه مؤسسات عمومية من بينها الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (السنيت) وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية (السبرولس).
لكن السؤال المطروح هو: هل سيكون هذا العدد كافياً أمام حجم الطلب المتزايد على السكن؟
فأزمة السكن في تونس لا ترتبط فقط بعدد المساكن المتوفرة، بل أيضاً بقدرة المواطنين على اقتنائها. فالكثير من العائلات تجد نفسها أمام أسعار تفوق إمكانياتها، في حين أصبحت القروض البنكية السكنية صعبة بالنسبة إلى العديد من الفئات.
بين الطموح الاجتماعي والتحديات الواقعية
يحمل البرنامج بعداً اجتماعياً واضحاً، فهو يسعى إلى إعادة دور الدولة في مساعدة المواطنين على امتلاك مساكن، خاصة في ظل تراجع قدرة العديد من العائلات على مواجهة السوق العقارية.
لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بعدة عوامل، من بينها سرعة إنجاز المشاريع، وضبط معايير الانتفاع، وتوفير التمويلات اللازمة بشكل مستمر.
كما يطرح مهنيون في القطاع العقاري تساؤلات حول الإطار القانوني للبرنامج، ودور القطاع الخاص في تنفيذه، ومدى قدرة المؤسسات العمومية المكلفة بالإنجاز على تلبية الطلب في مختلف الجهات.
هل يتغير مفهوم امتلاك السكن في تونس؟
لطالما ارتبط امتلاك منزل في تونس بفكرة الادخار لسنوات طويلة أو اللجوء إلى القروض البنكية. أما صيغة الكراء المفضي إلى التملك فتقدم تصوراً مختلفاً يقوم على تحويل ما يدفعه المواطن شهرياً من معلوم كراء إلى مساهمة فعلية في امتلاك مسكنه.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا التصور من إعلان وبرنامج على الورق إلى مساكن حقيقية تصل إلى العائلات التي تنتظر منذ سنوات فرصة امتلاك بيتها الأول.



