أثارت التدوينة التي نشرها العميد المتقاعد هشام المدب اليوم موجة من النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بعد حديثه عن دعم أمريكي لأمن تونس يتركز حول إنشاء 10 مراكز قيادة لمجابهة الأزمات وتأمين الحدود البرية، خاصة من الجانبين الجزائري والليبي، للحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين من دول جنوب الصحراء.
هذه المعطيات، رغم تقاطعها مع برامج تعاون معلنة، تحتاج إلى وضعها في سياقها الدقيق لتجنب أي قراءات مغلوطة تمس بالسيادة الوطنية أو تضخم من طبيعة الدور الأجنبي على الحدود.
مراكز أمنية تونسية خالصة
المشروع الذي أشار إليه العميد المدب في تدوينته لا يتعلق بقواعد عسكرية أو غرف عمليات تديرها قوات أجنبية، بل هو برنامج معروف في أوساط التعاون الأمني باسم « مراكز مجابهة الأزمات »
(Crisis Management Centers).
هذه المراكز العشرة تتوزع داخل ولايات الجمهورية وتتبع مباشرة لوزارة الداخلية والحماية المدنية التونسية. وتقتصر مهمتها على الجانب اللوجستي والتنسيقي، حيث زُودت بمنظومات اتصال متطورة لرفع كفاءة الأمن التونسي في التعامل مع الحالات الطارئة، سواء كانت كوارث طبيعية كالفيضانات والحرائق، أو أزمات أمنية ومدنية داخلية.
دعم تقني تحت إشراف وطني
أما بخصوص تأمين الحدود البرية، فإن الدعم الأمريكي (والألماني في بعض مراحله) ليس أمراً سرياً أو وليد اليوم، بل يندرج ضمن اتفاقيات قديمة لتحديث منظومة مراقبة الحدود.
وينحصر هذا التعاون بدقة في جانبين:
- التجهيز التكنولوجي: عبر تزويد الحرس الوطني وحرس الحدود بكاميرات حرارية، رادارات برية ثابته ومتحركة، ومنظومات إنذار مبكر لضبط عمليات التسلل والتهريب.
- البنية التحتية والتدريب: توفير معدات ووسائل نقل لفائدة وحدات التدخل السريع التونسية لتعزيز سرعتها ميدانياً.
ومع ذلك، تظل إدارة هذه المنظومات والمراكز خاضعة بشكل مطلق وقاطع لعقيدة الجيش والأمن التونسيين، دون أي وجود ميداني لأفراد أو قيادات أجنبية على الأرض.
السيادة في ملف الهجرة
ارتباط هذا الدعم بملف الهجرة غير النظامية وتدفقات المهاجرين عبر الحدود البرية يعكس حجم التحديات التي تواجهها تونس مؤخراً. لكن الثابت في العقيدة الأمنية للدولة هو رفض لعب دور « الحارس » لصالح أطراف خارجية، وإدارة الحدود بقرار سيادي تونسي خالص.
كما أن التنسيق الأمني لحماية الحدود يتم عبر لجان تفاهم مباشرة ودبلوماسية بين تونس والجزائر وتونس وليبيا، مما يستبعد أي وصاية أو وجود لطرف ثالث في هذه المعادلات الإقليمية.
في المحصلة، تضيء تدوينة العميد هشام المدب على برامج دعم فني تهدف بالأساس إلى تعزيز قدرات القوات التونسية وتمكينها لوجستياً من بسط سيادتها الكاملة وحماية الأمن القومي، في إطار مؤسساتي وطني لا يقبل التأويل.



