تكشف التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تحول في الخطاب الاقتصادي للحكومة، إذ لم يعد التركيز مقتصرا على تحقيق التوازنات المالية أو احتواء الضغوط الظرفية، بل أصبح موجها نحو بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وتعزيز ما تصفه السلطات بـ »السيادة الاقتصادية » في إطار تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030.
ويبرز هذا التوجه كأحد أهم الفوارق مقارنة بقوانين المالية خلال السنوات الماضية، التي انصبت أولوياتها على التحكم في عجز الميزانية، وضبط كتلة الأجور، وتعبئة الموارد الجبائية، والوفاء بالالتزامات المالية للدولة، في ظل ضغوط المديونية وتداعيات جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا.
من الإصلاحات المالية إلى الأولويات الاستراتيجية
الجديد في مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتمثل في ربط الميزانية مباشرة بمخطط التنمية 2026-2030، بما يجعلها أداة لتنفيذ خيارات اقتصادية طويلة المدى، وليس مجرد وثيقة سنوية لتوزيع النفقات والموارد.
ويعكس ذلك انتقالا نحو مقاربة تقوم على الاستثمار في القطاعات المنتجة والثروات الوطنية، مع إعطاء الأولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة القادرة على خلق النمو وفرص العمل.
الأمن الاقتصادي يتوسع إلى أربعة محاور
ومن أبرز المستجدات أيضا توسيع مفهوم الأمن الاقتصادي، إذ لم يعد مقتصرا على الأمن الغذائي كما كان في السنوات الأخيرة، بل أصبح يشمل أربعة محاور رئيسية هي الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، والأمن الدوائي.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لتأثير الأزمات الدولية على الاقتصاد الوطني، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها أسواق الحبوب والطاقة وسلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى تداعيات التغيرات المناخية.
وفي هذا السياق، تراهن الحكومة على تعزيز الإنتاج الفلاحي، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير منظومات التخزين والتزود، بهدف تقليص تبعية البلاد للأسواق الخارجية.
التعويل على الذات كخيار اقتصادي
وتؤكد التوجهات الجديدة أيضا ترسيخ خيار « التعويل على الذات » باعتباره أحد المبادئ المنظمة للسياسات الاقتصادية، وهو مفهوم أصبح يتكرر بصورة أوضح مقارنة بقوانين المالية السابقة.
ويترجم هذا الخيار من خلال تثمين الموارد الوطنية، وتشجيع المبادرات المحلية، وتحفيز الاستثمار المنتج، مع الحد من الاعتماد على الحلول الظرفية أو التمويلات الخارجية لتمويل التنمية.
الاستثمار والإصلاحات الهيكلية في صدارة الأولويات
ورغم استمرار الحديث عن المحافظة على التوازنات المالية، فإن المشروع يمنح حيزا أكبر للإصلاحات الهيكلية، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية، وتسريع التحول الرقمي، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز التنمية الجهوية.
كما يبرز لأول مرة بهذا الوضوح الربط بين السياسة المالية وتشغيل الشباب، خاصة أصحاب الشهائد العليا، باعتباره أحد المؤشرات التي ستقاس بها نجاعة السياسات الاقتصادية.
إصلاح جبائي أوسع
وتشير التوجهات إلى مواصلة إصلاح المنظومة الجبائية، ليس فقط عبر تحسين استخلاص الموارد، وإنما أيضا من خلال توسيع القاعدة الضريبية وإدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة، بما يخفف الضغط على المطالبين بالأداء ويوفر موارد إضافية للدولة.
ميزانية أكثر استعدادا للصدمات
ومن العناصر الجديدة كذلك اعتماد مقاربة تقوم على رفع قدرة المالية العمومية على مواجهة الأزمات الخارجية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية.
ولهذا تؤكد الحكومة أن ميزانية 2027 ستبنى على فرضيات أكثر مرونة، بما يسمح بالتكيف مع المتغيرات الدولية وتقليص انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
بين الاستمرارية والتغيير
ورغم احتفاظ مشروع قانون المالية لسنة 2027 بأهداف تقليدية مثل الحفاظ على التوازنات المالية، ودعم الاستثمار، وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، فإن الجديد يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات داخل الميزانية، بحيث تصبح التنمية والسيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والطاقي والمائي والدوائي محاور رئيسية توجه الإنفاق العمومي والإصلاحات الاقتصادية.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو ترجمة هذه التوجهات إلى إجراءات عملية في قانون المالية، سواء عبر الحوافز الجبائية، أو اعتمادات الاستثمار، أو برامج الإصلاح، بما يجعل ميزانية 2027 محطة فعلية للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على الصمود.



