عاد ملف التخزين إلى الواجهة من جديد، ولكن هذه المرة من بوابة الدولة، بعد أشهر من الجدل الذي أثاره هذا الملف وما رافقه من مخاوف لدى عدد من الفلاحين والمهنيين من التبعات العدلية والعقوبات المالية والسجنية المرتبطة بجرائم الاحتكار والمضاربة، وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين التخزين المنظم الذي يهدف إلى تعديل السوق، والتخزين غير القانوني الذي يجرمه القانون.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه قضية النقابي الأسعد اليعقوبي محل متابعة قضائية. إذ أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية ببن عروس بطاقة إيداع بالسجن في حقه على ذمة التحقيق، وذلك في إطار الأبحاث المتعلقة بشبهة ممارسات احتكارية والمضاربة غير المشروعة بمادة البطاطا. ويجدر التذكير بأن هذا الإجراء يمثل سجنا مؤقتا على ذمة التحقيق، ولم يصدر إلى حد الآن أي حكم قضائي نهائي في القضية.
وبحسب المرسوم عدد 14 لسنة 2022 المتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة، فإن العقوبات المنصوص عليها في مثل هذه الجرائم قد تصل، بحسب ظروف كل قضية وما يثبته القضاء، إلى السجن لمدة 10 سنوات، وقد تبلغ السجن المؤبد إذا ثبت ارتكاب الجريمة في إطار تنظيم أو شبكة منظمة، إضافة إلى خطايا مالية قد تصل إلى 500 ألف دينار، مع إمكانية الحكم بعقوبات تكميلية تشمل مصادرة المحجوزات والوسائل المستعملة في الجريمة، والحرمان من ممارسة بعض الأنشطة التجارية، وذلك وفقا لما يقرره القضاء.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، الأربعاء، أن المخزون التعديلي من بطاطا الاستهلاك للموسم الفصلي لسنة 2026 بلغ 12 ألفا و392 طنا، منها 7516 طنا مخزنة بولاية نابل، أي ما يعادل 61 بالمائة من إجمالي المخزون الوطني.
وجاء الإعلان خلال زيارة ميدانية أداها وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، إلى ولاية نابل، خصصت لمتابعة تنفيذ برنامج تكوين المخزون التعديلي لمادة بطاطا الاستهلاك، إلى جانب متابعة البرنامج الوطني لإكثار بذور البطاطا.
وأوضحت الوزارة أن المخزون موزع على 21 مركز خزن، من بينها 10 مراكز بولاية نابل، مشيرة إلى أن المجمع المهني المشترك للخضر تولى مباشرة خزن 3338 طنا، في حين قام الخواص بتخزين 9054 أطنان في إطار اتفاقيات خزن وترويج مبرمة مع المجمع.
وأكد وزير الفلاحة أن برنامج تكوين المخزون التعديلي يعد إحدى الآليات الأساسية لضمان انتظام تزويد الأسواق بمادة البطاطا والمحافظة على استقرار الأسعار، مبرزا أن دعم إنتاج بذور البطاطا الوطنية يمثل ركيزة لتعزيز السيادة الغذائية وتقليص التبعية للتوريد، مع مواصلة الاستثمار في هذا المجال والرفع من طاقات الإنتاج والخزن بما يستجيب لحاجيات السوق.
ويعيد هذا الإعلان فتح النقاش حول مفهوم التخزين في تونس، والتمييز بين التخزين التعديلي المنظم الذي يتم في إطار برامج الدولة واتفاقيات قانونية هدفها ضمان انتظام التزويد واستقرار الأسعار، وبين الاحتكار أو التخزين غير المشروع الذي يهدف إلى المضاربة والإخلال بالسوق، وهي مسألة أصبحت تحظى باهتمام واسع في ظل تشديد الدولة على تطبيق قانون مكافحة المضاربة.



