رغم إعلان تحالف « أوبك بلس » زيادة إنتاج النفط خلال شهر سبتمبر 2026 بنحو 188 ألف برميل يوميًا، فإن هذه الزيادة تبدو محدودة مقارنة بحجم الطلب العالمي، كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا قد يمنع انعكاسها سريعًا على الأسواق. وبالنسبة إلى تونس، التي تعتمد بشكل متزايد على استيراد الطاقة، فإن أي بقاء للأسعار عند مستويات مرتفعة يعني استمرار الضغوط على الاقتصاد والمالية العمومية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة في تونس مؤشرات مقلقة، إذ ارتفع عجز الميزان التجاري الطاقي بنسبة 32% إلى موفى ماي 2026 ليبلغ 5767 مليون دينار، مقابل 4373 مليون دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق أحدث نشرية لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تقلب ظرفي في الأسواق، بل تكشف عن اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك. فقد تراجعت الموارد الوطنية من الطاقة الأولية بنسبة 9% لتستقر عند نحو 1.3 مليون طن مكافئ نفط، في حين ارتفع الطلب الجملي على الطاقة الأولية بنسبة 4% ليصل إلى 3.8 مليون طن مكافئ نفط.
اعتماد متزايد على الخارج
أدى هذا التباعد بين العرض والطلب إلى تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية في تونس إلى 34% فقط، مقابل 39% قبل عام، وهو ما يعني أن البلاد أصبحت تعتمد بشكل أكبر على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز.
وفي مثل هذا الوضع، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية، أو حتى استمرارها عند مستويات مرتفعة، ينعكس مباشرة على فاتورة الواردات، ويزيد الضغط على احتياطي العملة الصعبة، ويعمق عجز الميزان التجاري، كما يرفع كلفة النقل والإنتاج ويغذي الضغوط التضخمية.
الطاقات المتجددة تتقدم… لكنها لا تعوض النفط والغاز
ورغم تسجيل إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة ارتفاعًا لافتًا بنسبة 52%، فإن هذا التطور لا يزال غير كاف لتغيير ملامح المنظومة الطاقية في تونس، إذ يظل الغاز الطبيعي المصدر الرئيسي لإنتاج الكهرباء.
كما تواصل تونس اللجوء إلى استيراد الكهرباء، وخاصة من الجزائر، لتغطية نحو 9% من حاجياتها الوطنية، وهو ما يعكس استمرار هشاشة المنظومة الطاقية أمام أي اضطرابات في الأسواق الدولية.
ماذا يعني قرار « أوبك بلس » بالنسبة لتونس؟
ويرى متابعون أن الزيادة التي أقرها تحالف « أوبك بلس » تبقى محدودة للغاية، وقد لا تؤدي إلى انخفاض ملموس في أسعار النفط، خصوصًا إذا استمرت التوترات الجيوسياسية أو قرر التحالف تجميد أي زيادات إضافية في الإنتاج خلال الربع الأخير من السنة.
وبالنسبة لتونس، فإن استمرار الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة سيزيد من الضغوط على المالية العمومية، خاصة في ظل اتساع العجز الطاقي وتراجع الإنتاج المحلي، وهو ما يجعل الاقتصاد التونسي أكثر حساسية لأي تطورات تشهدها أسواق النفط العالمية.
ويؤكد ذلك أن التحدي لا يقتصر على تقلبات الأسعار، بل يرتبط أيضًا بضرورة تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتشجيع الاستكشاف والإنتاج المحلي، للحد من التبعية للخارج وتقليص كلفة الطاقة على الاقتصاد الوطني.



