الرئيسيةآخر الأخبارالمركز العربي بواشنطن :أردوغان وقيس سعيد… كيف أعادت الرئاسة رسم ملامح الحكم...

المركز العربي بواشنطن :أردوغان وقيس سعيد… كيف أعادت الرئاسة رسم ملامح الحكم في تركيا وتونس؟

منذ أكثر من عقدين، تشهد تركيا تحولاً تدريجياً في طبيعة نظامها السياسي، فيما عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة تغييراً سريعاً في شكل الحكم بعد إجراءات 25 جويلية 2021. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية بين البلدين، فإن المقارنة بين تجربتي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس التونسي قيس سعيد أصبحت حاضرة في النقاشات السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بموقع مؤسسة الرئاسة، علاقة السلطة التنفيذية ببقية المؤسسات، ومستقبل التعددية السياسية.

ولا يعني ذلك أن التجربتين متطابقتان، فلكل بلد مساره الخاص، لكنهما تقدمان نموذجين مختلفين لكيفية انتقال النظام السياسي من صيغة تقوم على تعدد مراكز القرار إلى صيغة تصبح فيها مؤسسة الرئاسة أكثر حضوراً وتأثيراً.

وفي ما يلي ملخص لقراءة تحليلية قدمها الباحث سليم شفيق، الباحث غير المقيم في مركز واشنطن العربي، تحت عنوان « تونس وتركيا والنسخة الجديدة من دليل الحكم السلطوي »، والتي تقارن بين مساري التحول السياسي في تركيا خلال عهد رجب طيب أردوغان وتونس خلال فترة حكم الرئيس قيس سعيد، مع التركيز على دور الدستور والقضاء والمؤسسات المنتخبة في إعادة تشكيل النظام السياسي

تركيا… مسار طويل نحو النظام الرئاسي

وصل رجب طيب أردوغان إلى السلطة سنة 2002 عبر حزب العدالة والتنمية، في نظام كان يقوم على برلمانية قوية نسبياً. وخلال السنوات الأولى، ركز الحزب على الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز دور تركيا إقليمياً، قبل أن يبدأ تدريجياً تغيير طبيعة العلاقة بين المؤسسات.

وكان التحول الأكبر مع الاستفتاء الدستوري لسنة 2017، الذي ألغى منصب رئيس الحكومة ونقل البلاد إلى نظام رئاسي تنفيذي. وأصبح رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة، إصدار المراسيم، والتأثير في آليات عمل عدد من المؤسسات.

واعتبر أنصار النظام الجديد أن الانتقال إلى الرئاسة التنفيذية كان ضرورياً لضمان سرعة اتخاذ القرار وإنهاء فترات عدم الاستقرار الحكومي التي عرفتها تركيا في مراحل سابقة.

في المقابل، رأت قوى معارضة ومنظمات دولية أن تركيز صلاحيات واسعة لدى مؤسسة الرئاسة يطرح تساؤلات حول التوازن بين السلطات ودور المؤسسات الرقابية.

تونس… انتقال سريع نحو نظام رئاسي

أما في تونس، فقد جاء التحول في سياق مختلف. فبعد سنوات من العمل بنظام سياسي هجين أرساه دستور 2014، عاشت البلاد أزمة سياسية واقتصادية عميقة اتسمت بتراجع ثقة جزء كبير من التونسيين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

وفي 25 جويلية 2021، أعلن الرئيس قيس سعيد إجراءات استثنائية شملت تجميد أعمال البرلمان وإقالة الحكومة، قبل أن يتم لاحقاً اعتماد دستور جديد سنة 2022 غيّر طبيعة النظام السياسي ومنح رئيس الجمهورية دوراً مركزياً في إدارة السلطة التنفيذية.

وبررت الرئاسة هذه الخطوات بالحاجة إلى إعادة بناء الدولة وإنهاء ما اعتبرته حالة تعطيل داخل مؤسسات الحكم.

أما المعارضون لهذا المسار، فقد اعتبروا أن التغييرات التي حصلت قلصت من دور البرلمان والأحزاب السياسية، وأثارت نقاشاً حول مستقبل التوازن بين المؤسسات.

القضاء… نقطة محورية في التجربتين

شكل القضاء أحد أبرز الملفات في مسار التحولات السياسية في البلدين.

في تركيا، شهدت السلطة القضائية تغييرات مهمة، خاصة بعد محاولة الانقلاب سنة 2016، حيث تمت إعادة هيكلة واسعة داخل مؤسسات القضاء. ومنذ ذلك الحين، أصبح القضاء جزءاً أساسياً من النقاش السياسي، خاصة مع القضايا التي طالت شخصيات معارضة.

ومن أبرز الملفات قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي أصبح أحد أبرز منافسي أردوغان السياسيين، ويواجه قضايا أثارت جدلاً واسعاً داخل تركيا وخارجها.

في تونس، أصبح ملف القضاء بدوره من أكثر الملفات حساسية منذ 2022، بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإجراء تغييرات في القطاع القضائي.

وتؤكد السلطة التونسية أن القضاء مستقل وأن الإجراءات القضائية مرتبطة بملفات قانونية، بينما ترى شخصيات معارضة ومنظمات حقوقية أن المناخ العام أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للفاعلين السياسيين والإعلاميين.

المعارضة… بين المنافسة والقيود

رغم الانتقادات الموجهة إلى النظام السياسي في تركيا، فإن المعارضة التركية حافظت على حضور انتخابي مهم، وتمكنت من الفوز بعدد من البلديات الكبرى، خاصة إسطنبول وأنقرة، كما حققت نتائج قوية في الانتخابات المحلية الأخيرة.

لكن العلاقة بين الحكومة والمعارضة بقيت متوترة، خصوصاً مع تصاعد الملفات القضائية ضد عدد من المسؤولين والسياسيين المعارضين.

في تونس، شهد المشهد السياسي تغيراً جذرياً بعد 2021، حيث تراجعت مكانة الأحزاب التقليدية، فيما تواجه شخصيات سياسية معارضة عدداً من القضايا أمام القضاء.

وتقول السلطة إن هذه الملفات لا علاقة لها بالمواقف السياسية، وإنما ترتبط بمخالفات أو قضايا يعالجها القضاء، في حين ترى أطراف معارضة أن هامش العمل السياسي والإعلامي أصبح أكثر محدودية.

البلديات والمؤسسات المحلية… اختلاف في المقاربة

يمثل الحكم المحلي أحد الفوارق المهمة بين التجربتين.

في تركيا، تحولت البلديات الكبرى إلى ساحات رئيسية للمنافسة السياسية، إذ تمكنت المعارضة من بناء قاعدة شعبية مهمة عبر المجالس المحلية، وهو ما جعل هذه المؤسسات جزءاً من الصراع السياسي بين الحكومة والمعارضة.

أما في تونس، فقد تم تغيير شكل الإدارة المحلية بعد حل المجالس البلدية المنتخبة سنة 2023 وتعويضها بمسار جديد يقوم على مجالس محلية وجهوية ضمن رؤية مختلفة للحكم المحلي.

وترى السلطة أن هذا النظام يهدف إلى إعادة توزيع القرار على الجهات، بينما يعتبر منتقدوه أنه يختلف عن نموذج اللامركزية الذي نص عليه دستور 2014.

اختلاف السرعة… اختلاف طبيعة المؤسسات

أبرز ما يميز التجربتين هو سرعة التحول.

فأردوغان احتاج إلى سنوات طويلة لإعادة تشكيل النظام السياسي التركي، في بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من التعددية الحزبية والمؤسسات الراسخة.

أما تونس، فقد كان نظامها الديمقراطي حديث النشأة نسبياً بعد 2011، وكانت مؤسساتها السياسية لا تزال في مرحلة التأسيس عندما بدأت التحولات الكبرى بعد 2021.

ولهذا اختلفت قدرة المؤسسات والأحزاب على التعامل مع التغيير بين البلدين.

سؤال التوازن بين الفعالية والرقابة

تكشف المقارنة بين أردوغان وقيس سعيد عن إشكالية سياسية تتجاوز البلدين، وهي كيفية تحقيق التوازن بين وجود سلطة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرار، وبين المحافظة على مؤسسات رقابية وتعددية سياسية فعالة.

فأنصار الأنظمة الرئاسية القوية يرون فيها وسيلة لضمان الاستقرار وتسريع الإصلاحات، بينما يؤكد منتقدوها أن قوة أي نظام سياسي لا تقاس فقط بقدرة الرئيس على اتخاذ القرار، بل أيضاً بقدرة المؤسسات الأخرى على أداء دورها.

وبين التجربة التركية التي ما تزال تعرف منافسة انتخابية قوية، والتجربة التونسية التي تمر بمرحلة إعادة تشكيل مؤسساتها، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة كل نظام على بناء توازن مستدام بين السلطة والمساءلة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى