الرئيسية آخر الأخبار بعد انتحار تونسي خلف الأسلاك .. الرئيس السابق لمحكمة الاستئناف في...

بعد انتحار تونسي خلف الأسلاك .. الرئيس السابق لمحكمة الاستئناف في إيطاليا يوجّه رسالة مزلزلة

0
5
blank

في ما يلي نص المذكرة التي وجّهها ألبرتو يانوتسي، الرئيس السابق لمحكمة الاستئناف في بوتنسا:

إن انتحار شاب تونسي كان محتجزاً في مركز الاحتجاز والترحيل مركز الاحتجاز والترحيل في بالاتسو سان جيرفازيو، لا يمكن اعتباره مجرد حادث مأساوي عابر، بل هو بالأحرى إعلان مسبق عن فشل منظومة بأكملها.

ولإدراك ذلك، يكفي التذكير بأن هذه الواقعة المأساوية تأتي بعد انتحار شاب جزائري آخر يبلغ من العمر 19 عاماً، وقع في أوت 2024، فضلاً عن عشرات «الأحداث الحرجة» التي تم تسجيلها، والتي بلغت 67 حالة خلال الأشهر الأولى من السنة الحالية، وتتعلق بأعمال إيذاء النفس ومحاولات الانتحار.

كما لا يمكن تجاهل أن مركز الاحتجاز والترحيل في بالاتسو سان جيرفازيو كان منذ سنوات محور شكاوى وتحقيقات وإجراءات قضائية. ففي القضية الجنائية المتعلقة بإدارة المركز خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2022، وُجّهت، بدرجات مختلفة، اتهامات تتعلق بسوء المعاملة والاحتيال والفساد وجرائم أخرى، وأُحيل 18 شخصاً إلى المحاكمة، من بينهم عناصر من قوات الأمن وأطباء ومحامون ومسؤولون عن إدارة المركز. وشملت الاتهامات أيضاً مزاعم بوقوع تجاوزات وإعطاء أدوية نفسية من دون مبررات.

وبالتأكيد، نحن نتحدث في الوقت الراهن عن مجرد اتهامات، وستكون السلطة القضائية هي التي تحدد ما إذا كانت هناك مسؤوليات جنائية. لكن هذا تحديداً يجعل تأخر السياسيين في معالجة المشكلة أكثر خطورة، خصوصاً أنه خلال هذه الفترة صدرت عن المحكمة الدستورية أحكام بالغة الأهمية.

ففي الحكم رقم 96 الصادر في 3 جويلية 2025، أوضحت المحكمة الدستورية أن الاحتجاز داخل مراكز الـمركز الاحتجاز والترحيل يمسّ الحرية الشخصية، وبالتالي يستوجب الضمانات المنصوص عليها في الفصل 13 من الدستور. كما أشارت إلى وجود ثغرة تشريعية خطيرة، تتمثل في غياب قواعد ملائمة تنظم كيفية الاحتجاز، وحقوق المحتجزين، ووسائل الحماية الفعلية المتاحة لهم.

وطالبت المحكمة البرلمان بالتدخل بصورة عاجلة، إلا أن أكثر من عام مرّ من دون أن يتم هذا التدخل.

ثم إن مجرد تسميتها «مراكز الإقامة من أجل الترحيل» هو أول خداع منافٍ للنفاق السياسي. والأدق، وباستخدام تعبير شديد القسوة، أن تُسمّى «معسكرات اعتقال».

فالواقع أنها تمثل «ثقوباً سوداء» في القانون، ومناطق رمادية جرى إضفاء الطابع المؤسسي عليها، حيث يتم القضاء بصورة متعمدة على الكرامة الإنسانية.

ففي تجاهل للضمانات الدستورية، تُسلب الحرية الشخصية من أشخاص لم يرتكبوا جرائم، وإنما ارتكبوا مجرد مخالفات إدارية تتعلق بإقامتهم على الأراضي الإيطالية.

كما أن طبيعة المباني المخصصة للاحتجاز تبدو منفّرة ومُهينة: قضبان حديدية، أقفاص، غياب فضاءات للتواصل الاجتماعي، وظروف صحية متدهورة، تحول الحياة اليومية إلى شكل متواصل من التعذيب النفسي.

أما الرعاية الصحية فتبدو غير كافية على الإطلاق. فالاستخدام المفرط والمنهجي للأدوية النفسية لتهدئة المعاناة، إلى جانب نقص الخدمات الطبية المستقلة، يحوّل الألم النفسي إلى ما يشبه حكماً بالموت.

ويجعل عزل المحتجزين عن العالم الخارجي، والعراقيل المستمرة أمام دخول الصحافة والجمعيات والجهات الرقابية، من هذه المنشأة غيتو مغلقاً أمام الرقابة على مدى احترام القانون.

ولهذا، فإن الزيارة التفقدية التي أعلن عنها نائبان برلمانيان مرحّب بها، لكن المطلوب منها أن تخرج بكلمات واضحة وإجابات ملموسة.

ولزيادة حجم الاستياء، هناك أيضاً الهدر الهائل للموارد العامة. فعلى الرغم من ارتفاع تكاليف إدارة هذه المراكز وصيانتها بصورة كبيرة، تبقى نسبة عمليات الترحيل الفعلية محدودة للغاية.

ويثبت نموذج الاحتجاز الإداري أنه آلية مكلفة، غالباً ما تتحول إلى مجرد فترة احتجاز قصيرة تسبق عودة الشخص إلى وضعية الإقامة غير النظامية.

ولهذه الأسباب، فإن تجاوز نموذج مراكز الـمركز الاحتجاز والترحيل أصبح ضرورياً، وسيكون في مصلحة الجميع، وفي مقدمتهم الدولة نفسها.

إن التفكير في بدائل لهذه الأماكن المخصصة للاحتجاز ليس مجرد خيار حضاري، بل هو أيضاً ضرورة تفرضها الاستدامة الاقتصادية واللوجستية. وقد قدمت التجارب التي جرى استكشافها في عدد من السياقات الأوروبية مؤشرات واضحة على إمكانية اعتماد مسارات مختلفة.

فيمكن اللجوء إلى تدابير تقييدية غير احتجازية، مثل الإقامة الجبرية، وتسليم جواز السفر، والالتزام بالحضور الدوري لدى السلطات، وهي إجراءات تسمح بمراقبة الأشخاص على الأراضي الإيطالية من دون تحمل التكاليف الثابتة والتعقيدات التنظيمية التي تفرضها مراكز الاحتجاز المغلقة.

كما يمكن إدماج الأشخاص المعنيين ضمن شبكات محلية خاضعة للرقابة، أو إعداد مشاريع لإعادة إدماجهم في بلدانهم الأصلية، بما يجعل العودة خياراً مستداماً وطوعياً، ويضمن مستويات تعاون أعلى بكثير مقارنة بالعودة القسرية.

إن إبقاء منشأة احتجاز مفتوحة يفرض تكاليف ضخمة مرتبطة بالمراقبة والأمن والخدمات اللوجستية وصيانة البنية التحتية. أما اعتماد إجراءات بديلة ذات طابع محلي، فمن شأنه خفض الكلفة اليومية للفرد، وتقليص النفقات التي تتحملها الإدارة العامة، وتخفيف العبء عن قوات الأمن، التي تُكلّف بمهام الحراسة والاحتجاز.

ومهما يكن الأمر، هناك حقيقة واحدة مؤكدة: مراكز الـمركز الاحتجاز والترحيل اليوم لا تُستخدم لإدارة الهجرة غير النظامية، بل لـصناعة اليأس.

وبالتالي، فإن المطالبة بالإغلاق الفوري والنهائي لمركز الـمركز الاحتجاز والترحيل في بالاتسو سان جيرفازيو ليست معركة أيديولوجية، وإنما ضرورة تفرضها اختلالات هيكلية لم يعد من الممكن التسامح معها.

لا يمكن الرد على طلب الحماية وتسوية الوضع القانوني بالاحتجاز والأسلاك الشائكة.

كما لا يمكن الاعتقاد بإمكانية إصلاح الجحيم.