من قرار بالتجريد خلال أسبوع إلى صمت امتد أكثر من عام ونصف.. ماذا حدث في ملف المقاسم التي قالت التفقدية إن إسناد بعضها شابته المحاباة؟
عاد ملف المقاسم بالمنطقة السياحية بالمهدية إلى الواجهة بعد تداول تصريح قديم لوزير السياحة سفيان تقية باعتباره إعلاناً جديداً، في حين أن التصريح الأصلي يعود إلى جلسة عامة لمجلس نواب الشعب بتاريخ 18 فيفري 2025.
لكن البحث في المسار اللاحق للملف يكشف مفارقة لافتة: الوزير أعلن آنذاك عن إصدار قرار بتجريد أصحاب المقاسم التي تعتريها شبهة محاباة « في غضون الأسبوع المقبل »، غير أن المصادر الرسمية والمفتوحة التي أمكن التثبت منها إلى غاية 17 أوت 2026 لا تُظهر قراراً منشوراً يثبت تنفيذ عملية التجريد أو قائمة رسمية بأسماء المعنيين بها.
البداية.. عريضة وبحث إداري ثم القضاء
القضية بدأت، وفق الرواية الرسمية التي قدمها وزير السياحة أمام البرلمان، بعريضة تقدم بها مواطنون حول المقاسم التي تم إسنادها في جهة المهدية.
وأوضح الوزير أن الوزارة فتحت إثر ذلك بحثاً إدارياً، وأن التحريات أثبتت وجود شبهات محاباة وتلاعب في الصفقات، الأمر الذي أدى إلى إحالة الملف إلى القضاء وأصبح محل متابعة من الجهات القضائية المختصة.
وفي تفاصيل أكثر، نقلت مصادر إعلامية عن إجابة الوزير أن الأبحاث رصدت تجاوزات وإخلالات، من بينها استفادة باعثين من تعامل إداري اتسم بالمحاباة، ومنح آجال إضافية، وتغيير صبغة مشاريع، فضلاً عن عدم اتخاذ إجراءات لتجريد أصحاب مقاسم تم إسنادها على غير وجه حق.
والأكثر أهمية أن الوزير قال إن تقرير التفقدية كان جاهزاً وأحيل إلى مصالح القضاء، مع فتح بحث عدلي. كما أعلن أن الباعثين المعنيين سيتم تجريدهم من المقاسم لعدم إنجاز المشاريع في الآجال المحددة.
الوعد الذي كان يفترض أن يحسم الملف
في الجلسة البرلمانية ذاتها، ذهب الوزير أبعد من الإعلان عن إحالة الملف إلى القضاء، وقال إن الوزارة ستصدر خلال الأسبوع الموالي قراراً بتجريد أصحاب المقاسم التي تعتريها شبهة محاباة في إسنادها.
ووثق مجلس نواب الشعب هذا التصريح رسمياً ضمن ملخص أعمال الجلسة العامة ليوم 18 فيفري 2025.
كما يؤكد موقع البرلمان أن النائب أحمد بنور كان قد وجه السؤال تحديداً حول مخرجات التفقد ومتابعة الوزارة لملف الأراضي المنتزعة والمنهوبة بالمنطقة السياحية بالمهدية والقرارات المنبثقة عن الوزارة.
بمعنى آخر، لم يكن الأمر مجرد تصريح إعلامي عابر، وإنما كان التزاماً أعلن أمام مجلس نواب الشعب.
ماذا وجدنا بعد ذلك؟
هنا تبدأ الحلقة الأكثر غموضاً.
بحثنا في المصادر الرسمية المتاحة، ومنها الموقع الرسمي لوزارة السياحة، وفي التغطيات الصحفية اللاحقة، ولم نعثر على قرار منشور يعلن تنفيذ التجريد الذي تحدث عنه الوزير، ولا على قائمة رسمية تحدد المقاسم التي تم استرجاعها أو أصحابها الذين شملتهم قرارات التجريد.
كما أن الموقع الرسمي لوزارة السياحة يواصل نشر أنشطة الوزير وبرامج الوزارة خلال 2026، بما في ذلك أخبار متعلقة بولاية المهدية، لكن دون أن يظهر في المواد المتاحة التي أمكن العثور عليها إعلان واضح عن تنفيذ قرار التجريد الذي وعد به الوزير في فيفري 2025.
وهذا لا يعني قانونياً أن القرار لم يصدر في وثيقة داخلية أو أن إجراءات أخرى لم تتخذ بعيداً عن النشر الإلكتروني، لكنه يعني شيئاً أكثر دقة صحفياً:
لا يوجد، في حدود ما أمكن التثبت منه، أثر رسمي منشور ومتاح للعموم يثبت تنفيذ الوعد.
الملف لم يمت في المهدية
المثير أن القضية لم تختف تماماً من النقاش المحلي.
ففي 2026، ظهرت منشورات ومطالبات جديدة مرتبطة بما يعرف محلياً بملف « المهدية المنهوبة »، تضمنت دعوات موجهة إلى وزير السياحة بشأن المقاسم بالمناطق السياحية في المهدية، ومطالب بالكشف عن مصير الملف. كما ظهرت في جوان وجويلية 2026 منشورات تتساءل صراحة عن مصير الإجراءات التي أعلن عنها الوزير.
هذه المنشورات ليست بديلاً عن وثيقة رسمية ولا يمكن اعتمادها لإثبات وقوع مخالفات جديدة، لكنها تكشف أن الملف، على المستوى المحلي على الأقل، لم يعتبر مغلقاً.
بل إن منشوراً في جوان 2026 أعاد طرح مسألة ما ورد في تقرير التفقدية حول وجود شبهة محاباة من جانب بعض أعوان الإدارة، وهو ما يتقاطع مع مضمون التصريح الرسمي للوزير في 2025.
والأهم: أين أصبح البحث العدلي؟
هنا توجد نقطة أخرى تحتاج إلى إجابة رسمية.
الوزير أعلن في فيفري 2025 أن تقرير التفقدية أحيل إلى القضاء وأن بحثاً عدلياً فتح في الملف.
لكن البحث في المصادر المفتوحة لم يسمح لنا بالعثور على معطيات رسمية لاحقة تحدد:
- هل انتهى البحث العدلي؟
- هل تم الاستماع إلى مسؤولين أو باعثين؟
- هل صدرت قرارات قضائية؟
- هل تم حفظ الملف أم ما زال منشوراً؟
- هل ترتبت عن البحث القضائي إجراءات على مستوى المقاسم؟
- وهل صدر فعلاً قرار التجريد الذي أعلن عنه الوزير؟
وبالتالي، لا يمكن القول إن القضاء أدان أي شخص أو أن الملف انتهى إلى حفظ، ما لم تظهر وثيقة قضائية صريحة تثبت ذلك.
زيارة الوزير للمهدية في 2026 تزيد الأسئلة
وزير السياحة واصل خلال 2026 نشاطه في ولاية المهدية وفي المناطق السياحية، حيث تناولت أنشطة الوزارة تطوير المناطق السياحية وتحسين العرض السياحي والترويج للجهة. كما نشرت الوزارة أنشطة للوزير في الولاية خلال جويلية 2026.
لكن اللافت أن المواد الرسمية المتاحة عن هذه الأنشطة لا تقدم، بحسب ما أمكن العثور عليه، حصيلة معلنة لملف المقاسم الذي كان الوزير قد أعلن بشأنه إجراءات تجريد في فيفري 2025.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد سؤال عن قرار إداري:
هل تم تنفيذ القرار فعلاً، أم أن الملف بقي عالقاً بين التفقد الإداري والقضاء والإجراءات العقارية؟
سنة ونصف.. والوثيقة الغائبة
المفارقة أن التصريح الأصلي كان واضحاً زمنياً: « في غضون الأسبوع المقبل ».
لكن ذلك الأسبوع أصبح 18 شهراً تقريباً.
ومع ذلك، فإن ما يمكن إثباته اليوم هو الآتي:
ثابت رسمياً:
- وجود عريضة حول المقاسم المسندة في المهدية.
- فتح بحث إداري.
- رصد شبهات محاباة وتلاعب وتجاوزات وفق ما أعلنه الوزير.
- إحالة تقرير التفقدية إلى القضاء.
- فتح بحث عدلي.
- إعلان وزير السياحة عن قرار بتجريد أصحاب المقاسم التي تعتري إسنادها شبهة محاباة.
أما غير الثابت رسمياً في المصادر المفتوحة إلى 17 أوت 2026:
- صدور قرار التجريد فعلاً.
- عدد المقاسم التي جرى تجريد أصحابها.
- أسماء أصحاب المقاسم المعنيين.
- استرجاع الدولة للمقاسم.
- انتهاء البحث القضائي ونتيجته.
- صدور أحكام قضائية في الملف.
السؤال الذي ينتظر جواباً من وزارة السياحة
بعد مرور هذه المدة، لم يعد السؤال البرلماني القديم كافياً.
السؤال اليوم أكثر تحديداً:
ماذا فعلت وزارة السياحة منذ 18 فيفري 2025 لتنفيذ قرار التجريد الذي أعلن عنه الوزير؟
وهل يوجد قرار إداري يحمل تاريخاً ورقماً يمكن نشره للرأي العام؟
وإذا صدر القرار، فلماذا لم تُعلن الوزارة عن نتائجه؟
وإذا لم يصدر، فما الذي حال دون تنفيذ وعد أعلن أمام البرلمان؟
أما إذا كان الملف القضائي هو الذي جمّد الإجراءات الإدارية، فإن الرأي العام يستحق معرفة ذلك أيضاً، لأن الوزير نفسه أعلن أن الملف أحيل إلى القضاء وأن بحثاً عدلياً فتح بشأنه.
ليست القضية في النهاية مجرد « مقاسم »
القضية، كما عرضها النائب أحمد بنور أمام البرلمان، تتعلق أيضاً بحماية الأراضي التي انتزعتها الدولة وبضمان استغلالها وفق الأطر القانونية التي تخدم التنمية السياحية في الجهة.
وقد دعا النائب آنذاك إلى تجريد المستفيدين من الأراضي بطرق غير مشروعة كخطوة أولى، ثم محاسبة المسؤولين عن التجاوزات كخطوة ثانية.
وبذلك فإن غياب الحصيلة المعلنة بعد 18 شهراً لا يعني إثبات وجود تستر أو تعطيل، لكنه يبرر طرح سؤال مشروع حول مصير تعهد رسمي محدد بأجل زمني واضح.



