تكشف قراءة تحليل أمني حديث أن ليبيا باتت تحتل موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الروسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تعتمد موسكو على وجود عسكري غير مباشر وعلاقات وثيقة مع قوات خليفة حفتر لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة.
وخلال مقابلة مع موقع ميليتار أكتويال النمساوي.. قال المحلل الأمني والسياسي فولفغانغ بوستاي:الخبير في التحليل الأمني والسياسي فولفغانغ بوسْتاي، فإن الدور الروسي في ليبيا ليس طارئًا بل امتداد تاريخي لعلاقة تعود إلى الحقبة السوفييتية، حين كانت موسكو المزود الرئيسي للسلاح والتدريب العسكري لليبيا في عهد معمر القذافي.
ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الترسانة الليبية الحالية، خصوصًا الأسلحة الثقيلة، ما يزال ذا منشأ سوفييتي أو روسي، فيما لا يزال عدد من الضباط الليبيين الذين تلقوا تدريبهم في موسكو يشكلون جزءًا من المنظومة العسكرية الحالية.
تمدد عسكري عبر “الجيش الوطني الليبي”
منذ عام 2016، عززت روسيا حضورها في شرق وجنوب ليبيا عبر دعم قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر، بدايةً من مهام تقنية مثل إزالة الألغام والحماية، وصولًا إلى دور أكثر تقدمًا شمل بناء قدرات جوية ودفاع جوي.
ويؤكد التحليل أن روسيا أصبحت اليوم تشكل العمود الفقري للقوة الجوية التابعة لقوات حفتر، عبر منظومات تشمل مقاتلات MiG-29 وSu-24، ومروحيات هجومية ونقل، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متقدمة. كما تتولى موسكو تدريب الطيارين والفنيين الليبيين داخل الأراضي الروسية.
إلى جانب ذلك، تنتشر وحدات روسية بحجم كتيبة تقريبًا من المشاة، مدعومة بشبكة لوجستية واسعة داخل مناطق عدة، أبرزها قواعد الخادم والجفرة والقرضابية وبراك الشاطئ، والتي تُستخدم بشكل مشترك مع قوات حفتر دون أن تمتلك روسيا قواعد مستقلة بالكامل داخل ليبيا.
ليبيا كـ“بوابة أفريقيا”
يرى التحليل أن الهدف الروسي يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليشمل استراتيجية جيوسياسية أوسع تقوم على تحويل ليبيا إلى منصة انطلاق نحو عمق أفريقيا، خصوصًا منطقة الساحل.
وتستخدم موسكو هذا الوجود لتأمين خطوط إمداد لوجستية لعملياتها العسكرية وشبكات المرتزقة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، حيث تُنقل الإمدادات عبر سوريا أو عبر مسارات جوية تمر فوق تركيا باتجاه ليبيا، التي تُعد نقطة تجميع رئيسية قبل التمدد جنوبًا.
كما تعتمد روسيا على ليبيا كمركز لتأهيل مقاتليها في بيئة صحراوية مشابهة لتلك التي تنشط فيها في الساحل الأفريقي، ما يجعلها حلقة أساسية في منظومة انتشارها خارج روسيا.
أهداف متعددة: من النفط إلى النفوذ
لا يقتصر الوجود الروسي على البعد العسكري، بل يمتد إلى أهداف اقتصادية واستراتيجية، في مقدمتها الاستفادة من الثروات النفطية الليبية، التي تُعد الأكبر في أفريقيا.
وتسعى موسكو، وفق التحليل، إلى تقليص نفوذ الدول الغربية في ليبيا وشمال أفريقيا، عبر بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، رغم التحالف العسكري الأوثق مع قوات حفتر في الشرق.
لكن هذه الازدواجية في العلاقات لا تخلو من التوتر، إذ تتأثر علاقات موسكو مع الغرب الليبي بملف المرتزقة وبالاتهامات السياسية المتبادلة، في حين تبقى العلاقة مع شرق ليبيا أكثر استقرارًا وعمقًا.
انقسام سياسي وأمني مستمر
على الصعيد الداخلي، ما تزال ليبيا منقسمة فعليًا بين سلطتين متنافستين في طرابلس وبنغازي، مع هيمنة ميدانية واضحة لحفتر في الشرق والجنوب.
وفي الغرب، تشهد مناطق مثل طرابلس والزوايا اشتباكات متكررة بين ميليشيات مسلحة تتلقى تمويلًا حكوميًا، بينما يشهد الجنوب مواجهات بين قوات حفتر ومجموعات محلية إضافة إلى شبكات مسلحة عابرة للحدود.
كما يشير التحليل إلى أن الاقتصاد غير الشرعي، خصوصًا تهريب الوقود والمخدرات والبشر، أصبح أحد أبرز مصادر التمويل في البلاد، مما يعمّق حالة عدم الاستقرار ويؤخر مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في الغرب الذي يعاني من تفشي الفساد الإداري.
في المقابل، يحقق شرق البلاد بعض التقدم في مشاريع الإعمار والبنية التحتية، ما يعزز شعورًا متزايدًا بعدم العدالة في توزيع عائدات النفط، حيث تعتبر مناطق الإنتاج خارج طرابلس نفسها مهمشة اقتصاديًا.
ليبيا ضمن صراع القوى الكبرى
على المستوى الدولي، تندرج ليبيا ضمن التنافس الروسي–الغربي في المتوسط وأفريقيا، حيث تسعى موسكو إلى بناء وجود عسكري طويل الأمد على السواحل الجنوبية للمتوسط، بما في ذلك إمكانيات دعم لوجستي للقوات البحرية الروسية.
لكن رغم هذا الطموح، يرى التحليل أن إنشاء قاعدة بحرية روسية دائمة في ليبيا يظل غير مرجح في المدى القريب، بسبب التكلفة العالية والمعارضة المحلية والتحديات الأمنية، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بوجود قوات حلف شمال الأطلسي في المنطقة.
كما أن تقلص القدرة الروسية على استخدام بعض الموانئ في سوريا دفع موسكو إلى تنويع نقاط الدعم اللوجستي، لكن ليبيا لا تزال غير قادرة على تعويض الدور السوري بشكل كامل.
ليبيا ركيزة استراتيجية لا غنى عنها
يخلص التحليل إلى أن ليبيا ستظل عنصرًا محوريًا في السياسة الروسية في أفريقيا، باعتبارها “بوابة جيوسياسية” نحو الساحل الأفريقي، ومنصة لتثبيت النفوذ العسكري والاقتصادي في شمال القارة.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد الضغوط على القدرات العسكرية الروسية، يُتوقع أن يحافظ الكرملين على مستوى من الحضور في ليبيا، مع احتمال توسيعه تدريجيًا في حال تحسن الظروف العسكرية والاقتصادية.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي الليبي وتعثر مسارات التوحيد، تبقى البلاد مرشحة لمزيد من التشرذم أو حتى إعادة هيكلة فيدرالية خلال السنوات القادمة، ما يعزز من تعقيد المشهد الإقليمي ويزيد من أهمية ليبيا في حسابات القوى الدولية.



