مع اقتراب موعد انعقاد الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، تبرز أمام الدبلوماسية التونسية مسألة تنظيمية تستحق الانتباه، تتعلق بتمثيل تونس الدائم لدى الجامعة العربية في القاهرة، في وقت تستعد فيه تونس لتولي رئاسة المجلس في إطار التداول الدوري بين الدول الأعضاء.
وتأتي هذه المسألة في ظل شغور منصب سفير تونس لدى مصر منذ انتهاء مهام السفير محمد بن يوسف في سبتمبر 2025. وكان بن يوسف يشغل في الوقت نفسه منصب سفير تونس بالقاهرة ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، وقد أقامت الجامعة في 17 سبتمبر 2025 حفل تكريم بمناسبة انتهاء مهمته.
وتكتسب مسألة التمثيل التونسي في القاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العمل داخل جامعة الدول العربية، حيث لا يقتصر دور المندوب الدائم على حضور الاجتماعات الرسمية، بل يشمل أيضا المتابعة اليومية للملفات، والتنسيق مع الأمانة العامة للجامعة، والتواصل مع مندوبي الدول الأعضاء، فضلا عن الإعداد للمواقف التي تتطلب أحيانا مشاورات دبلوماسية مكثفة قبل انعقاد الاجتماعات الوزارية.
رئاسة المجلس تفرض حضورا دبلوماسيا متواصلا
وتتضاعف أهمية الموضوع بالنسبة إلى تونس إذا ما تزامن الشغور مع توليها رئاسة مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية. فرئاسة المجلس لا تعني فقط ترؤس اجتماع وزاري دوري، وإنما تفرض، بحكم طبيعتها، متابعة عدد من الاتصالات والمشاورات المرتبطة بأعمال المجلس وأجندته.
وهنا تطرح المسألة نفسها بصورة عملية: إذا استمر شغور منصب سفير تونس لدى القاهرة والمندوب الدائم لدى الجامعة العربية، فمن سيتولى بصورة دائمة هذا الدور التمثيلي والتنسيقي؟
ومن الناحية البروتوكولية والسياسية، يمكن لوزارة الخارجية أن تعتمد ترتيبات مختلفة لضمان استمرارية العمل، سواء من خلال قائم بالأعمال أو مسؤول دبلوماسي آخر، كما يمكن للوزير أو كبار مسؤولي الوزارة المشاركة في الاجتماعات والمحطات الرئيسية. وبالتالي لا يتعلق الأمر بعجز عن تمثيل تونس، وإنما بمدى ملاءمة الترتيب المعتمد مع حجم المسؤولية التي ستتحملها تونس خلال فترة رئاستها للمجلس.
وتؤكد سوابق العمل الدبلوماسي التونسي أن منصب سفير تونس بالقاهرة ارتبط بالمندوبية الدائمة لدى الجامعة العربية؛ فقد كان محمد بن يوسف يحمل الصفتين معا عند انتهاء مهمته في سبتمبر 2025.
هل يتحول وزير الخارجية إلى «مندوب دائم»؟
ومن بين السيناريوهات التي قد تفرض نفسها عمليا حضور وزير الشؤون الخارجية شخصيا في القاهرة خلال المحطات الأساسية، خصوصا الاجتماعات الوزارية والاتصالات السياسية ذات الطابع الحساس.
لكن ذلك، في المقابل، يفتح سؤالا آخر يتعلق بمدى قدرة الوزير على القيام بهذا الدور بصورة متواصلة، في ظل تعدد الملفات الخارجية التي تتطلب وجوده في تونس أو في عواصم أخرى.
فالعمل داخل الجامعة العربية لا يبدأ وينتهي مع اجتماع وزراء الخارجية. فالمشاورات والتحضيرات والاتصالات الثنائية والمتعددة الأطراف تستمر على مدار السنة، وهو ما يجعل وجود سفير ومندوب دائم من ذوي الخبرة في القاهرة عاملا مساعدا على ضمان استمرارية الحضور التونسي ومتابعة الملفات بصورة يومية.
القاهرة ليست الملف الوحيد
وتأتي مسألة السفارة التونسية في القاهرة ضمن سياق أوسع يتعلق بالحركة الدبلوماسية التونسية وعدد من المناصب الشاغرة في البعثات بالخارج.
وكانت تقارير تونسية قد أشارت خلال الأشهر الماضية إلى وجود عدد كبير من السفارات التونسية دون سفراء، مع اختلاف الأرقام بحسب الفترة وطريقة احتساب السفارات والقنصليات. ففي ديسمبر 2025، تحدثت تقارير عن 29 سفارة تونسية دون سفراء، فيما أشارت مصادر أخرى في فترات مختلفة إلى أرقام تتجاوز ذلك.
وتبرز في هذا السياق أهمية البعثات الموجودة في دول الجوار، وخاصة الجزائر وليبيا، نظرا إلى ثقل العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والحدودية مع البلدين، وما تتطلبه هذه العلاقات من متابعة دبلوماسية مستمرة.
.
