شددت السلطات المغربية خلال الأيام الأخيرة إجراءات مراقبة دخول عدد من المواطنين التونسيين والجزائريين إلى أراضي المملكة، في خطوة تبدو مرتبطة مباشرة بتداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية، وما رافقها من مخاوف مغربية وإسبانية من انتقال محاولات العبور غير النظامي إلى مسارات جديدة عبر شمال المغرب.
وبحسب ما أوردته صحيفة «لاراثون» الإسبانية، ونقلته عنها مصادر إعلامية جزائرية ومغربية، فقد بدأت السلطات المغربية في إعادة عدد من المسافرين الجزائريين والتونسيين إلى بلدانهم، خصوصا عبر مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، بعد إخضاعهم لتدقيق إضافي في هوياتهم ووثائق سفرهم.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن السلطات أصبحت تطلب، في عدد من الحالات، ما يثبت بوضوح الطابع السياحي والمؤقت للزيارة، ومن ذلك حجز فندقي مؤكد وتذكرة عودة. كما أشارت التقارير إلى أن أصحاب الجنسية المزدوجة أو المسافرين الذين يستوفون هذه الشروط يواجهون وضعا مختلفا مقارنة بمن لا يحملون وثائق تثبت مكان الإقامة وموعد مغادرة المغرب.
تدقيق حتى قبل الصعود إلى الطائرة
ولا تقتصر الإجراءات، وفق الروايات المنشورة، على نقاط الوصول إلى المغرب.
فقد نقلت المصادر عن مسافر كان على متن رحلة بين تونس والدار البيضاء أن عناصر أمنية قامت بعمليات تدقيق في هويات المسافرين ووثائقهم عند بوابات صعود بعض الرحلات القادمة من تونس وتركيا، وذلك قبل مواصلة إجراءات السفر.
وتشير هذه المعطيات إلى أن السلطات المغربية تحاول منذ البداية تحديد هوية المسافرين وطبيعة رحلاتهم، بدلا من انتظار وصولهم إلى الأراضي المغربية ثم اتخاذ قرار بشأن السماح لهم بالدخول.
وتقول التقارير إن بعض المسافرين الذين لم يتمكنوا من تقديم الوثائق المطلوبة أعيدوا إلى بلدانهم، فيما تم السماح للآخرين بمواصلة الرحلة بعد التثبت من وضعياتهم.
ما علاقة تونس والجزائر بأزمة سبتة؟
السبب الأبرز الذي تربطه التقارير بهذه الإجراءات هو الوضع الأمني والهجري الاستثنائي الذي شهدته سبتة خلال الأسابيع الأخيرة.
ففي نهاية جويلية، شهدت المدينة الإسبانية الواقعة شمال إفريقيا تدفقا جماعيا غير مسبوق للمهاجرين، بعدما عبر عشرات الآلاف من الأشخاص من الأراضي المغربية إلى سبتة في واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها المدينة.
ورفعت السلطات المغربية والإسبانية إثر ذلك مستوى التأهب الأمني على الحدود، خصوصا مع انتشار دعوات ومقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي شجعت الراغبين في الهجرة على محاولة الوصول إلى المدينة. وأشارت تقارير دولية إلى أن أكثر من 70 ألف شخص دخلوا سبتة خلال تلك الموجة، قبل أن يعود معظمهم لاحقا إلى المغرب.
غير أن الأزمة لم تنته بالكامل، إذ بقي آلاف المهاجرين داخل سبتة في ظروف إنسانية صعبة، بينما استمرت المخاوف من تنظيم محاولات جديدة للعبور. وقد تحدثت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن وجود مهاجرين تونسيين وجزائريين بين الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة.
لماذا يخشى المغرب من القادمين من تونس والجزائر؟
تقوم الفرضية التي تطرحها المصادر الإسبانية على أن بعض الراغبين في الوصول إلى سبتة قد يدخلون المغرب بصورة قانونية عبر المطارات، ثم ينتقلون إلى شمال المملكة، قبل محاولة الوصول إلى المناطق الحدودية القريبة من سبتة.
وبالتالي، فإن تشديد الرقابة على القادمين من بعض الجنسيات لا يعني بالضرورة منعهم من دخول المغرب بصورة عامة، وإنما محاولة للتأكد من أن المسافر الذي يدخل البلاد لديه غرض واضح من الزيارة، ومكان إقامة محدد، وخطة للعودة.
ومن هنا تبرز أهمية طلب الحجوزات الفندقية وتذاكر العودة، باعتبارها وثائق يمكن أن تساعد السلطات على التمييز بين السائح أو الزائر الذي يعتزم مغادرة المغرب، وبين شخص قد يكون هدفه الحقيقي الوصول إلى شمال البلاد ثم محاولة العبور إلى سبتة.
التونسيون أمام تشديد غير معتاد
وتكتسب الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة إلى المسافرين التونسيين، بالنظر إلى أن المغرب كان وجهة سياحية وعائلية معتادة بالنسبة إلى عدد من التونسيين، في ظل سهولة التنقل بين البلدين وعدم الحاجة، في الظروف العادية، إلى تأشيرة مسبقة.
لكن التطورات الأخيرة تعني أن الإعفاء من التأشيرة لا يساوي بالضرورة ضمان الدخول التلقائي إلى الأراضي المغربية، إذ تظل للسلطات الحدودية صلاحية التثبت من شروط الدخول والغرض من الزيارة.
وهذا يعني عمليا أن المسافر التونسي قد يجد نفسه مطالبا بتقديم وثائق إضافية عند السفر، وخاصة ما يثبت مكان إقامته وتاريخ عودته، في حال خضوعه للتدقيق الأمني.
أزمة سبتة تعيد رسم حركة السفر في المنطقة
ولا تأتي هذه الإجراءات بمعزل عن حالة التأهب المستمرة حول سبتة.
ففي منتصف أوت، أعلنت السلطات المغربية إحباط محاولة جديدة لمئات المهاجرين للوصول إلى المدينة، وأفادت تقارير بأن قوات الأمن أوقفت نحو 300 شخص كانوا يحاولون التقدم نحو الحدود.
كما بقيت السلطات الإسبانية في حالة استنفار بسبب وجود آلاف المهاجرين داخل سبتة، وسط ضغط كبير على المدينة وخدماتها الأساسية، في وقت تواصل فيه مدريد والرباط التنسيق بشأن تداعيات موجة العبور الجماعي.
وبذلك، تبدو الإجراءات المغربية الجديدة جزءا من سياسة وقائية لمنع تكرار سيناريو سبتة عبر تغيير نقطة الانطلاق أو جنسية الوافدين.
فالخوف المغربي لا يتعلق فقط بمن يحاول الوصول مباشرة إلى الحدود، وإنما أيضا بمن يدخل المغرب من مطاراته بصورة قانونية ثم يتحول، لاحقا، إلى مهاجر غير نظامي متجه نحو شمال المملكة.
هل أصبح دخول التونسيين إلى المغرب ممنوعا؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات المنشورة إلى قرار مغربي معلن يقضي بمنع التونسيين أو الجزائريين من دخول البلاد بشكل شامل.
الأدق هو الحديث عن تشديد في إجراءات المراقبة والتثبت من شروط الدخول بالنسبة إلى عدد من المسافرين، مع تسجيل حالات إعادة إلى بلدانهم.
كما أن المعلومات المتداولة مصدرها أساسا تقارير صحفية وشهادات مسافرين، ولم يظهر في المعطيات المتاحة إعلان رسمي مغربي مفصل يحدد قواعد جديدة عامة تنطبق على جميع التونسيين والجزائريين.
لذلك، فإن ما يحدث يبدو في هذه المرحلة إجراء أمنيا احترازيا مرتبطا بأزمة سبتة أكثر منه تغييرا معلنا ودائما لقواعد دخول المواطنين التونسيين والجزائريين إلى المغرب.
وتكشف هذه التطورات، في المقابل، مدى تأثير أزمة سبتة على حركة التنقل في منطقة المغرب العربي، إذ لم تعد تداعياتها محصورة في الحدود المغربية الإسبانية، وإنما بدأت تمتد إلى المطارات وإجراءات السفر، في محاولة لمنع تحول المغرب إلى محطة عبور جديدة نحو المدينة الإسبانية.
