الرئيسيةآخر الأخبارمسكن شائع في تونس تحت المجهر.. هل يؤثر الإيبوبروفين في خصوبة الرجال...

مسكن شائع في تونس تحت المجهر.. هل يؤثر الإيبوبروفين في خصوبة الرجال والنساء؟

يستعمله ملايين الأشخاص لتسكين الصداع وآلام الأسنان والعضلات والمفاصل وخفض الحرارة، لكن الإفراط في تناول الإيبوبروفين، خصوصا بجرعات مرتفعة ولأسابيع متواصلة، يثير تساؤلات علمية حول تأثيره في بعض الوظائف الهرمونية والتناسلية.

وتعيد تقارير إعلامية دولية، من بينها تقرير نشرته صحيفة «ميرور» البريطانية، تسليط الضوء على دراسات بحثت في تأثير بعض مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، وفي مقدمتها الإيبوبروفين، على الهرمونات والوظائف التناسلية لدى الرجال والنساء.

والرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى مستعملي هذه الأدوية ليست أن «الإيبوبروفين يسبب العقم»، فهذا استنتاج لا تدعمه الأدلة المتاحة، وإنما أن الاستخدام المتكرر أو طويل الأمد بجرعات مرتفعة ليس أمرا ينبغي الاستهانة به، حتى عندما يكون الدواء متاحا من دون وصفة طبية.

ماذا حدث لدى الرجال؟

تعود أبرز الدراسات التي أثارت هذا الملف إلى سنة 2018، عندما نشر باحثون دراسة في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية تناولت تأثير الإيبوبروفين على الوظيفة الهرمونية لدى الرجال الشباب.

وشملت الدراسة 31 رجلا سليما تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، تلقى جزء منهم الإيبوبروفين بجرعة 600 ملغ مرتين يوميا لمدة ستة أسابيع، بينما تلقى الآخرون دواء وهميا.

وأظهرت النتائج ارتفاع مستوى هرمون اللوتين، المعروف اختصارا بـ«الهرمون اللوتيني»، لدى الرجال الذين تناولوا الإيبوبروفين. وبلغت الزيادة نحو 23 بالمائة بعد 14 يوما، وارتفعت إلى نحو 33 بالمائة بعد 44 يوما.

في المقابل، انخفضت نسبة هرمون التستوستيرون إلى هرمون اللوتين، بينما لم يسجل الباحثون انخفاضا ذا دلالة في مستوى التستوستيرون نفسه.

ووصف الباحثون هذه الحالة بأنها قصور غدد تناسلية معوّض، أي أن الجسم يحاول الحفاظ على مستوى التستوستيرون من خلال زيادة الإشارات الهرمونية التي تحفز الخصيتين على العمل.

هل يعني ذلك أن الإيبوبروفين يخفض التستوستيرون؟

ليس بهذه البساطة.

الدراسة لم تثبت أن تناول الإيبوبروفين لفترة قصيرة يؤدي حتما إلى انخفاض التستوستيرون أو العقم، بل رصدت تغيرات في النظام الهرموني لدى رجال شباب تناولوا جرعة مرتفعة نسبيا بصورة منتظمة لمدة ستة أسابيع.

كما أظهرت تجارب مخبرية على أنسجة الخصية أن الإيبوبروفين يمكن أن يؤثر في إنتاج الهرمونات الجنسية، لكن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الأهمية السريرية لهذه النتائج لدى الرجال.

والأهم أن دراسة أخرى أجريت على رجال يعانون من التهاب في السائل المنوي ولم تجد، بعد ثلاثة أسابيع من تناول الإيبوبروفين بجرعة 1800 ملغ يوميا، تغيرا سلبيا ذا دلالة في حجم السائل المنوي أو تركيز الحيوانات المنوية أو حركتها.

لذلك فإن الحديث عن «تأثير محتمل في الوظيفة الهرمونية» أكثر دقة من القول إن الدواء «يدمر خصوبة الرجال».

وماذا عن النساء؟

المخاوف لا تتعلق بالرجال فقط.

فقد بحثت دراسات في تأثير بعض مضادات الالتهاب غير الستيرويدية على الإباضة لدى النساء، وأظهرت أن استعمال بعض هذه الأدوية بصورة منتظمة خلال فترة الإباضة يمكن أن يؤدي إلى تعطيلها مؤقتا.

وفي إحدى الدراسات، سجل الباحثون انخفاضا كبيرا في معدلات الإباضة لدى النساء اللواتي تناولن بعض مضادات الالتهاب غير الستيرويدية لمدة عشرة أيام، وكانت النسبة الأعلى مع الديكلوفيناك، في حين سجل النابروكسين انخفاضا أيضا في الإباضة.

وتكمن الآلية المحتملة في أن مضادات الالتهاب غير الستيرويدية تعمل على تثبيط إنزيمات مسؤولة عن إنتاج البروستاغلاندينات، وهي مواد تشارك في العملية الطبيعية للإباضة.

وهذا لا يعني أن تناول قرص واحد من مسكن للألم سيؤدي إلى توقف الإباضة، وإنما أن الاستخدام المنتظم بجرعات مرتفعة أو خلال فترة حساسة من الدورة الشهرية قد يكون له تأثير مؤقت لدى بعض النساء.

وتشير هيئة الخدمات الصحية البريطانية إلى أن الجرعات العالية أو الاستخدام الطويل لمضادات الالتهاب غير الستيرويدية، ومنها الإيبوبروفين، يمكن أن يجعل الحمل أكثر صعوبة، مع عودة الإباضة عادة إلى طبيعتها بعد التوقف عن الدواء.

ماذا يعني ذلك للنساء الراغبات في الحمل؟

هنا تصبح المسألة أكثر أهمية.

إذا كانت المرأة تحاول الحمل، فإن استعمال الإيبوبروفين أو غيره من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية بصورة منتظمة يستوجب استشارة الطبيب أو الصيدلي.

كما تنصح الإرشادات الطبية بتجنب الإيبوبروفين أثناء الحمل إلا إذا أوصى به الطبيب، خصوصا مع تقدم الحمل. وتعد المسكنات من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية من الأدوية التي تحتاج إلى تقييم طبي خلال الحمل بسبب مخاطرها المحتملة على الجنين والسائل الأمنيوسي والدورة الدموية الجنينية.

الإيبوبروفين ليس دواء «خطيرا» في حد ذاته

وهنا تكمن النقطة التي ينبغي عدم إغفالها.

الإيبوبروفين دواء واسع الاستخدام وفعال في علاج العديد من الآلام والالتهابات والحمى، ويُباع في كثير من البلدان من دون وصفة طبية.

المشكلة ليست في استعماله عند الحاجة ووفق الجرعات الموصى بها، وإنما في تحوله إلى دواء يومي لأسابيع أو أشهر من دون متابعة طبية.

فالاستعمال الطويل لمضادات الالتهاب غير الستيرويدية معروف أيضا بارتباطه بمخاطر أخرى، منها قرحة المعدة والنزيف ومشكلات الكلى، كما يمكن أن تسبب هذه الأدوية آثارا جانبية هضمية وغيرها.

وهذا يعني أن مسألة الخصوبة والهرمونات ليست سوى جانب واحد من مخاطر الإفراط في استعمال هذه الأدوية.

لماذا يلجأ إليها التونسيون كثيرا؟

في تونس، كما في دول أخرى، يمكن أن يكون توفر بعض المسكنات في الصيدليات وسهولة الحصول عليها سببا في التعامل معها باعتبارها أدوية بسيطة لا تستوجب كثيرا من الحذر.

وقد يلجأ الشخص إلى الإيبوبروفين لعلاج الصداع، ألم الأسنان، آلام المفاصل أو العضلات، أو حتى أعراض مرتبطة بالحمى، ثم يستمر في تناوله يوميا لأن الألم لم يختف.

وهنا تكمن المشكلة: استمرار الألم نفسه قد يكون سببا يستوجب البحث عن مصدره، وليس سببا لمواصلة تناول المسكن إلى أجل غير محدد.

هل الباراسيتامول أكثر أمانا؟

في حالات كثيرة، يمكن أن يكون الباراسيتامول خيارا مناسبا لبعض الآلام اليومية، وهو ما تشير إليه هيئة الخدمات الصحية البريطانية، التي تنصح عادة بتجربة الباراسيتامول قبل الإيبوبروفين عندما يكون الشخص قادرا على تناوله.

لكن هذا لا يعني أن الباراسيتامول خال من المخاطر أو أنه مناسب للجميع، إذ إن الجرعات الزائدة منه يمكن أن تسبب أضرارا خطيرة للكبد.

لذلك لا ينبغي استبدال دواء بآخر بصورة عشوائية، وإنما اختيار المسكن والجرعة ومدة العلاج بحسب الحالة الصحية والأدوية الأخرى التي يتناولها الشخص.

متى يصبح الأمر مقلقا؟

يصبح من المهم استشارة الطبيب أو الصيدلي عندما يجد الشخص نفسه بحاجة إلى الإيبوبروفين يوميا أو بصورة متكررة لفترة طويلة، أو عندما يحتاج إلى جرعات مرتفعة للحفاظ على قدرته على ممارسة حياته الطبيعية.

كما ينبغي للنساء اللواتي يحاولن الحمل، والحوامل، والأشخاص الذين يعانون من أمراض الكلى أو المعدة أو القلب أو يتناولون أدوية أخرى، طلب المشورة الطبية قبل الاستعمال المنتظم للإيبوبروفين.

لا داعي للهلع.. لكن لا تجعل المسكن عادة يومية

المعطيات العلمية لا تقول إن الإيبوبروفين يؤدي حتما إلى العقم عند الرجال أو النساء.

لكنها تقدم سببا إضافيا للتعامل معه باعتباره دواء له تأثيرات حقيقية، وليس مجرد مسكن بسيط يمكن تناوله بلا حدود.

فالدراسة التي أثارت الاهتمام لدى الرجال أظهرت تغيرات هرمونية بعد استعمال جرعة مرتفعة نسبيا لمدة ستة أسابيع، بينما تشير دراسات أخرى إلى إمكانية حدوث تأثير مؤقت في الإباضة لدى النساء مع بعض مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.

أما الاستخدام العرضي لعلاج صداع أو ألم عابر، فلا ينبغي وضعه في الخانة نفسها مع الاستعمال اليومي الطويل.

الرسالة الأهم للتونسيين: إذا أصبح الإيبوبروفين جزءا من الروتين اليومي، فالمشكلة لم تعد فقط في الألم الذي يعالجه، بل في ضرورة معرفة لماذا يستمر الألم ولماذا أصبح المسكن ضروريا كل يوم.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى