الرئيسيةآخر الأخبارمن الصخيرة إلى رادس.. قصة مريضين فجّرت إضراب سائقي شاحنات المحروقات

من الصخيرة إلى رادس.. قصة مريضين فجّرت إضراب سائقي شاحنات المحروقات

لم يكن الإضراب الفجئي الذي نفذه سائقو شاحنات نقل المحروقات مجرد تحرك مهني مرتبط بمطالب مادية، وفق رواية أحد المتابعين للملف، بل جاء على خلفية وضعيات اجتماعية وصحية قال السائقون إنها بلغت مستوى لم يعد بالإمكان تجاهله.

وتعود إحدى أبرز الوقائع التي ساهمت في تأجيج التحرك إلى سائق من الصخيرة، اضطر إلى نقل زوجته، التي كانت في حالة صحية متدهورة، إلى المستشفى، قبل أن يصطدم بإشكال يتعلق بالتغطية الاجتماعية، إذ قيل له إن المؤسسة الصحية لا تستطيع التكفل بها بسبب عدم تسوية وضعية المشغّل تجاه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وتزداد حدة الواقعة، وفق الرواية ذاتها، باعتبار أن معلوم الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتم اقتطاعه من أجور العمال، ما دفع السائق إلى العودة إلى مقر عمله وطرح السؤال حول مصير الاقتطاعات وحقه في التغطية الصحية.

لكن المفاجأة، بحسب المعطيات المتداولة، كانت في اكتشاف أن زميلاً له يعيش الوضعية نفسها، إذ يعاني ابنه من المرض ويجد بدوره صعوبة في الحصول على العلاج بسبب الإشكال المتعلق بالتغطية الاجتماعية.

عندها لم تعد المسألة، بالنسبة إلى السائقين، قضية عامل واحد أو عائلة واحدة، وإنما تحولت إلى ملف جماعي يتعلق بحقوق اجتماعية أساسية، في مقدمتها الحق في العلاج والتغطية الاجتماعية.

من الصخيرة إلى رادس

وسرعان ما وصل صدى هذه الوضعية إلى سائقي الشاحنات في رادس، الذين قالوا إنهم يواجهون بدورهم إشكالات مماثلة تتعلق بوضعياتهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وفي هذا السياق، اتجه التحرك نحو التضامن بين السائقين، لتتحول المسألة من احتجاج على وضعية فردية إلى تحرك جماعي للمطالبة بتسوية الوضعيات الاجتماعية.

وبحسب الرواية المقدمة من العمال، حضر مسؤولون إلى مكان التحرك، وطالب السائقون بحضور ممثليهم النقابيين، قبل أن يتولى ممثل عن المكتب التنفيذي، وهو النقابي سلوان، نقل مطالبهم وشرح الإشكالات المطروحة.

وانتهت الاتصالات آنذاك إلى الاتفاق على العودة إلى العمل، على أساس عقد جلسة لاحقة للنظر في الملف ومحاولة تسوية الوضعيات العالقة.

لكن ماذا حدث في اليوم الموالي؟

بحسب الرواية نفسها، جاءت المفاجأة في اليوم التالي، عندما رفضت الشركة الجلوس إلى طاولة الحوار بحضور ممثلي العمال، بدعوى وجود تعليمات أو قيود من الجانب الحكومي تمنع ذلك.

وتثير هذه النقطة تحديداً أسئلة حول طبيعة الحوار الاجتماعي وآلياته، خصوصاً أن حل الإشكالات المطروحة يتطلب، منطقياً، اجتماع الإدارة بالعمال وممثليهم النقابيين والاستماع إلى المطالب والبحث عن حلول عملية.

والأكثر إثارة للجدل، وفق المعطيات المتداولة، أن الاجتماع لم يتم حضورياً، وإنما جرى عن بعد وعبر الهاتف، وهو ما اعتبره العمال والنقابيون مؤشراً سلبياً على وضع الحوار داخل المؤسسة.

وهنا يتجاوز الملف مسألة سائقي شاحنات نقل المحروقات، ليطرح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة الحوار الاجتماعي على معالجة المشاكل المهنية والاجتماعية داخل المؤسسات.

فالعامل الذي يتم اقتطاع مساهماته الاجتماعية من أجره يفترض أن يتمتع، عند الحاجة، بالتغطية التي يضمنها له القانون، كما أن أي خلل في تحويل المساهمات أو تسوية الوضعيات مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يمكن أن يبقى بلا معالجة، خصوصاً عندما تكون النتيجة مرتبطة بعلاج عامل أو أحد أفراد أسرته.

لماذا توقف سائقو المحروقات؟

من هذه الزاوية، يصبح الإضراب أكثر من مجرد نزاع مهني حول الأجور أو المنح.

فالسائقون يقولون إنهم أمام مشكلات تتعلق بالتغطية الاجتماعية وتطبيق الاتفاقات السابقة وتسوية وضعياتهم، وهي مطالب كان يفترض أن تجد طريقها إلى طاولة الحوار قبل أن تصل الأمور إلى التوقف عن العمل.

ويكتسي الملف حساسية خاصة لأن سائقي شاحنات نقل المحروقات يمثلون حلقة أساسية في سلسلة التزويد. وأي توقف في نشاطهم يمكن أن ينعكس سريعاً على محطات الوقود وحركة النقل في تونس، وهو ما ظهر بوضوح خلال التحرك الأخير، عندما سجلت عدة مناطق طوابير أمام محطات البنزين.

إنذار جديد؟

رفع الإضراب لم ينه الأزمة بشكل نهائي، إذ بقيت المطالب مطروحة، كما لم تستبعد الهياكل النقابية إمكانية اللجوء إلى تحرك جديد إذا لم تفض المفاوضات إلى حلول.

وبذلك، فإن ما حدث الخميس يمكن أن يُقرأ باعتباره إنذاراً مبكراً بخطورة استمرار الإشكالات الاجتماعية دون معالجة.

فالمطلوب اليوم ليس فقط ضمان عودة شاحنات نقل المحروقات إلى العمل، وإنما معالجة الأسباب التي دفعت السائقين إلى الاحتجاج، وفي مقدمتها وضعيات التغطية الاجتماعية والحوار حول المطالب المهنية.

وفي النهاية، فإن أزمة نقل المحروقات لا تتعلق فقط بالبنزين والديزل والشاحنات. إنها تكشف أيضاً عن مشكلة أعمق: ماذا يحدث عندما يجد العامل نفسه يدفع مساهماته الاجتماعية، ثم يواجه هو أو أحد أفراد أسرته صعوبة في الحصول على العلاج؟

السؤال مطروح على الشركات، وعلى الجهات المشرفة، وعلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعلى كل الأطراف المعنية بالحوار الاجتماعي.

لأن الأزمة التي تبدأ من ملف اجتماعي داخل مؤسسة قد تتحول، إذا لم تعالج، إلى أزمة تمس التزويد بالمحروقات وحياة ملايين التونسيين.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى