الرئيسية آخر الأخبار حكاية زيّ المنتخب: قميص ممزق داخل سوق تهيمن عليه المليارات

حكاية زيّ المنتخب: قميص ممزق داخل سوق تهيمن عليه المليارات

0
1735
blank

لم يعد زيّ المنتخب مجرد تفصيل تقني في عالم كرة القدم، بل أصبح مرآة مكثفة لعلاقة معقدة بين الرياضة والاقتصاد والصورة العامة للدولة. في الحالة التونسية، تحوّل القميص إلى رمز يتجاوز المستطيل الأخضر، ويطرح أسئلة أوسع حول الإدارة، والتمويل، وموقع البلد داخل صناعة عالمية تدار بالمليارات.

في قلب هذه القصة يقف زيّ المنتخب التونسي لكرة القدم، الذي يرتديه لاعبون في محافل كبرى مثل كأس العالم، لكنه في الخطاب العام صار مرتبطًا بصورة “الترقيع” أكثر من صورة “العلامة الرياضية”.

في قلب هذا الجدل، لم تكن القصة مجرد تعليق عابر على قميص رياضي، بل تحوّلت إلى ما يشبه “الصيحة الإعلامية” التي أطلقها الصحفي سمير جراي، والتي أعادت وضع السؤال في إطاره الأوسع: كيف تُدار التفاصيل الصغيرة داخل منظومة تُقدَّم للجمهور على أنها جاهزة وكاملة؟

القميص الممزق… حين تتحول التفاصيل إلى رمز

كتب الصحفي سمير جراي تحت عنوان لافت: “القميص الممزق وثقافة الترقيع”، معتبرًا أن ما حدث لا يمكن اختزاله في حادثة تقنية أو خطأ لوجستي، بل هو، بحسب قراءته، “بيان غير مكتوب” عن طريقة تسيير الشأن العام.

يقول في نصه:لم يعد قميص المنتخب مجرد قميص… في الحقيقة كان نثبتوا مليح هو بيان رسمي على حال البلاد.

من هذه الجملة تحديدًا، ينطلق الخطاب نحو مستوى آخر، حيث يتحول القميص إلى استعارة سياسية واجتماعية، لا مجرد لباس رياضي.

“ثقافة الترقيع” بدل ثقافة الحلول

في صلب هذا الطرح، يهاجم الكاتب ما يسميه “ثقافة الترقيع”، حيث لا تُحلّ المشاكل من جذورها، بل تُغطّى مؤقتًا بوسائل سريعة: شريط لاصق هنا، حل ظرفي هناك، وتأجيل دائم للأسئلة الصعبة.

ويضيف:السكوتش ماهوش لإصلاح القماش، بل هو الشعار الحقيقي لسنوات من إدارة الأزمات بالعشوائية، وترميم الفشل بدل معالجة أسبابه.”

هنا، لا يعود الحديث عن قميص ممزق، بل عن نمط تفكير إداري يُنتج حلولًا مؤقتة بدل إصلاحات هيكلية.

القميص كرمز… أبعد من القماش

في كرة القدم الحديثة، القميص ليس مجرد لباس، بل منصة إعلانية وهوية بصرية ومصدر دخل. لكنه أيضًا، في بعض الحالات، يتحول إلى مرآة غير مباشرة لمدى نجاعة المنظومة التي تقف خلفه: من التعاقدات، إلى التوريد، إلى الحوكمة.

حين تظهر تفاصيل تقنية أو لوجستية مثيرة للجدل، مثل ضعف الجودة أو حلول ترقيعية، فإن النقاش لا يبقى رياضيًا، بل يتحول إلى سؤال حول طريقة إدارة كل المنظومة.

سوق عالمي تُهيمن عليه الشركات العملاقة

تسيطر شركات مثل نايك وأديداس و بوما على الجزء الأكبر من سوق الألبسة الرياضية عالميًا، مستفيدة من سلاسل إنتاج ضخمة وعقود رعاية بمستويات قياسية.

في المقابل، يظهر لاعب أقل حضورًا في هذا السوق: بازيك نات، المالكة لعلامة “كابا”، والتي تعتمد نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا قائمًا على الترخيص وإدارة العلامة بدل السيطرة المباشرة على الإنتاج.

أرقام تكشف ميزان القوة

تُظهر بيانات الأسواق المالية الفجوة الكبيرة بين هذه الشركات. فقد بلغ سعر سهم أديداس نحو 159.30 يورو، مقابل 37.30 يورو لنيكي و26.37 يورو لبوما، في حين استقر سهم BasicNet عند 6.83 يورو، وهو الأدنى بين هذه المجموعة من حيث القيمة الاسمية.

أما على مستوى الربحية، فتتقدم نايكي بنسبة توزيع أرباح تبلغ 3.91%، تليها أديداس بـ2.30%، بينما توقفت بوما عن توزيع الأرباح نتيجة تراجع نتائجها المالية. في المقابل، تبقى BasicNet خارج المقارنات التقليدية بسبب طبيعة نموذجها القائم على الترخيص، لا التصنيع المباشر.

هذه الأرقام لا تعكس فقط قوة مالية، بل تكشف أيضًا حجم الفجوة بين “اقتصاد العلامات العملاقة” و”اقتصاد العلامات المرنة” التي تراهن على الانتشار بدل السيطرة.

تونس داخل خريطة غير متكافئة

ضمن هذه المنظومة، يجد المنتخب التونسي موقعه داخل شبكة تجهيز لا تهيمن عليها الشركات الثلاث الكبرى، بل تشارك فيها علامات أقل حضورًا عالميًا، لكنها أكثر تنوعًا من حيث النماذج الاقتصادية.

هذا الموقع يضع تونس في مساحة مختلفة: ليست في قلب صناعة الأقمصة الرياضية العالمية، لكنها أيضًا ليست خارجها. إنها منطقة وسطى، تتحرك فيها المعايير بين الكلفة، والعرض، والهوية.

القميص كمرآة للمنظومة

القميص هنا لا يعود مجرد قطعة قماش، بل يتحول إلى استعارة. فإذا كان العالم الرياضي يُدار بعقود بمليارات اليوروهات، وسلاسل إنتاج معقدة، وأسواق مالية حساسة، فإن أي خلل في التفاصيل الصغيرة يصبح قابلاً للتأويل الرمزي الكبير.

في هذه القراءة، لا يُنظر إلى القميص كحدث معزول، بل كجزء من سلسلة طويلة تبدأ من التعاقدات التجارية، وتمر عبر الإنتاج والتوزيع، وتنتهي عند صورة المنتخب في أكبر المحافل.

ما وراء المباراة

في النهاية، تبقى كرة القدم لعبة تُحسم على أرض الملعب، لكن ما يحيط بها اليوم لا يقل أهمية: الاقتصاد، العلامات التجارية، وأسواق المال.

وهكذا، يتحول زيّ المنتخب من مجرد لباس رياضي إلى وثيقة غير مكتوبة عن موقع بلد داخل نظام عالمي شديد التفاوت، حيث لا تُقاس القوة فقط بالأهداف، بل أيضًا بوزن العلامة التي تحملها على الصدر.