بين طموحات تحقيق نمو اقتصادي بـ4.2 بالمائة سنوياً، ورهانات تقليص البطالة ودفع الاستثمار، تطرح خطة التنمية التونسية للفترة 2026-2030 أسئلة حارقة حول مصادر التمويل وقدرة الاقتصاد الوطني على تحمل أعباء المرحلة المقبلة.
الخبير الدولي العربي بن بوهالي وضع الخطة تحت مجهر التحليل، معتبراً أن التحدي الأكبر لا يكمن في تحديد الأهداف، بل في توفير الموارد المالية اللازمة لتحقيقها، في ظل وضع اقتصادي يتميز، وفق تقديره، بمديونية مرتفعة وعجز متواصل في المالية العمومية والطاقة.
ويرى بن بوهالي أن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هو: كيف ستوفر تونس التمويلات اللازمة لتنفيذ خطة تتطلب موارد ضخمة، في وقت تواجه فيه ضغوطاً مالية متزايدة؟
الدين العمومي في قلب المعادلة
يشير الخبير إلى أن تونس تدخل المرحلة الجديدة من التخطيط التنموي وهي تواجه تحديات مالية صعبة، أبرزها ارتفاع حجم الدين العمومي واستمرار العجز في الميزانية والميزان التجاري.
ويعتبر أن الاعتماد المتواصل على الاقتراض لتمويل العجز قد يحد من هامش المناورة أمام الدولة، خاصة إذا لم يتم توجيه الموارد نحو مشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة وزيادة الإنتاج.
ويحذر من أن ارتفاع كلفة التمويل مقارنة بمعدلات النمو قد يحول جزءاً من القروض الجديدة إلى أعباء إضافية على المالية العمومية، بدل أن تكون أداة لتوليد الثروة.
هل يكفي الاقتراض لصناعة النمو؟
طرح بن بوهالي تساؤلات حول قدرة تونس على تحقيق نمو بـ4.2 بالمائة في ظل ضعف الادخار الوطني واعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الاستهلاك الداخلي.
ويؤكد أن النمو المستدام يحتاج إلى استثمارات منتجة، وتحسين القدرة التنافسية، وزيادة الصادرات، rather than الاكتفاء بضخ الأموال في الاقتصاد دون تغيير عميق في نمط الإنتاج.
كما يرى أن ارتفاع المديونية لا يمثل مشكلة عندما يتم توجيهها نحو مشاريع تخلق الثروة، لكنه يصبح خطراً عندما تستخدم لتغطية العجز أو تمويل النفقات غير المنتجة.
الاستثمار الأجنبي… فرصة أم تحدٍّ جديد؟
تتوقف قراءة بن بوهالي عند الرهان على الاستثمار الخاص والأجنبي ضمن تمويل الخطة، حيث يعتبر أن جذب المستثمرين لا يجب أن يكون هدفاً في حد ذاته، بل يجب أن يرتبط بقدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات.
ويشير إلى أهمية ضمان أن تكون العائدات الاقتصادية لهذه الاستثمارات أكبر من كلفة خروج الأرباح نحو الخارج، خصوصاً في ظل حاجة تونس المتزايدة إلى العملة الصعبة.
معضلة التنفيذ: هل تستطيع الإدارة إنجاز ما هو مبرمج؟
إلى جانب التمويل، يطرح الخبير إشكالية القدرة التنفيذية، معتبراً أن التحدي لا يكمن فقط في رصد الاعتمادات، بل في تحويلها إلى مشاريع فعلية في آجال محددة.
فالتجربة السابقة، حسب رأيه، أظهرت أن ضعف تنفيذ المشاريع العمومية والإجراءات الإدارية المعقدة يمكن أن يقللا من أثر الاستثمارات المبرمجة مهما كان حجم التمويل المتوفر.
الطاقة… الفاتورة التي تثقل الاقتصاد
ويولي بن بوهالي أهمية خاصة لملف الطاقة، باعتباره أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد التونسي.
فأي توسع اقتصادي يحتاج إلى الطاقة والمواد الأولية، وجزء كبير منها يتم توريده بالعملة الأجنبية، وهو ما يجعل تحسين الإنتاج الطاقي وتقليص العجز في هذا القطاع من الشروط الأساسية لإنجاح أي خطة تنموية.
المؤسسات العمومية في دائرة الحلول
ويقترح الخبير إعادة النظر في وضعية المؤسسات العمومية، خاصة تلك التي تعاني من صعوبات مالية، عبر تطوير حوكمتها وفتح إمكانية إدراج بعضها في بورصة تونس، بما يسمح بتوفير تمويلات جديدة وتحسين الشفافية والنجاعة.
كما يدعو إلى الاستفادة من تجارب دولية نجحت في إصلاح المؤسسات العمومية وتحويلها إلى محركات للنمو بدل بقائها عبئاً على الميزانية.
معركة التنفيذ تبدأ من التمويل
خطة التنمية 2026-2030 تحمل أهدافاً طموحة، لكن نجاحها سيبقى مرتبطاً بقدرة تونس على حل معادلة صعبة: كيف تمول الاستثمار دون تعميق المديونية؟ وكيف تحقق النمو دون زيادة الضغوط على المواطن والاقتصاد؟
وبين سقف الطموحات وحجم الموارد المتاحة، سيكون الاختبار الحقيقي للخطة هو قدرتها على الانتقال من الأرقام والبرامج إلى مشاريع منتجة قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي.



