الرئيسيةآخر الأخباردراسة ألمانية: أوروبا تموّل مشاريع كبرى في تونس لكن الأضواء تذهب إلى...

دراسة ألمانية: أوروبا تموّل مشاريع كبرى في تونس لكن الأضواء تذهب إلى الصين

كشفت دراسة حديثة أعدّتها الباحثة الألمانية إيزابيل فيرنفيلس، الباحثة الأولى بقسم إفريقيا والشرق الأوسط في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ، أن الاتحاد الأوروبي يواجه ما وصفته بـ »معضلة الرؤية » في تونس، إذ يموّل عدداً كبيراً من مشاريع البنية التحتية والتنمية، غير أن جزءاً كبيراً من الرأي العام التونسي ينسب هذه المشاريع إلى الصين أو لا يدرك أصلاً أنها ممولة أوروبياً.

وترى الدراسة، التي حملت عنوان « معضلة ظهور أوروبا في تونس »، أن الفجوة بين حجم الحضور الاقتصادي الأوروبي وحجم حضوره في الوعي العام التونسي أصبحت لافتة، في وقت نجحت فيه الصين في تعزيز صورتها كشريك تنموي من خلال مشاريع تحظى بتغطية إعلامية واسعة.

« الجسر الصيني » الذي تموله أوروبا

وتستهل الدراسة بمثال اعتبرته معبراً عن هذه المفارقة، إذ تشير إلى أن الجسر الضخم الجاري إنجازه بمدينة بنزرت يُعرف لدى أغلب التونسيين باسم « الجسر الصيني »، رغم أن تمويله يأتي من بنك الاستثمار الأوروبي، بينما تتولى شركة صينية تنفيذ أشغاله.

ولا يقتصر الأمر على هذا المشروع، إذ توضح الدراسة أن عدداً كبيراً من المشاريع الحيوية الأخرى الممولة أوروبياً يكاد يكون مجهولاً لدى الرأي العام، من بينها توسعة سدين بتمويل ألماني، وإنجاز محطات لمعالجة المياه المستعملة، إضافة إلى مشروع إعادة تأهيل محطة كبرى لمعالجة المياه في تونس الكبرى ضمن برنامج أوروبي مشترك.

كما لفتت الباحثة إلى أن تبرع فرنسا بـ165 حافلة للنقل العمومي سنة 2025 مرّ دون اهتمام إعلامي يذكر، في حين حظي وصول 461 حافلة صينية بتغطية إعلامية واسعة واحتفاء رسمي كبير، كما استقطب افتتاح المعهد الثاني لـ »كونفوشيوس » في تونس خلال ماي 2026 اهتماماً ملحوظاً.

أوروبا الشريك الاقتصادي الأول… لكن دون حضور إعلامي

وتؤكد الدراسة أن أوروبا ما تزال الشريك الاقتصادي الأول لتونس بفارق كبير، إذ تستحوذ على نحو 85 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما توفر دعماً مباشراً للميزانية وتمول عشرات المشاريع عبر الهبات والمنح.

في المقابل، تشير الدراسة إلى أن الجزء الأكبر من التمويلات الصينية يعتمد على القروض، وهو ما يزيد من الضغوط على المالية العمومية التونسية.

ورغم ذلك، فإن المشاريع الصينية تحظى بقدر أكبر من الظهور الإعلامي والسياسي، بينما تبقى المشاريع الأوروبية في الظل.

blank

من « شريك الديمقراطية » إلى « طرف متدخل »

وترجع الباحثة هذا التحول إلى التغير الذي شهدته صورة أوروبا في تونس منذ سنة 2011.

ففي السنوات الأولى بعد الثورة، كانت بروكسل تُقدم باعتبارها الداعم الرئيسي للمسار الديمقراطي، غير أن هذا الحضور الواسع بدأ يثير مع مرور الوقت حساسيات مرتبطة بالسيادة الوطنية، خصوصاً خلال النقاشات التي رافقت مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق بين تونس والاتحاد الأوروبي.

كما أثارت مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر احتجاجات في بعض المناطق، وسط مخاوف من استنزاف الموارد المائية والاستحواذ على الأراضي لخدمة المصالح الأوروبية.

وتعتبر الدراسة أن الرئيس قيس سعيد استفاد من هذا المناخ، معتمداً خطاباً يركز على السيادة الوطنية ويرفض ما يصفه بالتدخلات الأجنبية، وهو ما انعكس أيضاً على طريقة تعامل السلطات مع الشركاء الأوروبيين.

اتفاق الهجرة… نقطة تحول

وتخصص الدراسة حيزاً مهماً للحديث عن مذكرة التفاهم الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي سنة 2023، والتي بلغت قيمتها المحتملة حوالي مليار يورو.

وترى الباحثة أن الاتفاق كان يهدف أساساً إلى ضمان تعاون تونس في ملف الهجرة غير النظامية، إلا أنه قوبل بانتقادات من منظمات المجتمع المدني، قبل أن يعيد الرئيس قيس سعيد مبلغ 60 مليون يورو إلى بروكسل، معتبراً أن تونس « ليست للبيع » وأن المبلغ لا يعكس حجم الجهود التي تبذلها البلاد في هذا المجال.

ومنذ ذلك الحين، بقي جزء مهم من التمويلات الأوروبية المعلنة معطلاً أو مؤجلاً.

حرب غزة زادت من تراجع صورة أوروبا

وتشير الدراسة إلى أن الحرب في غزة عمقت بدورها الفجوة بين تونس وأوروبا، إذ اعتبر عدد كبير من التونسيين أن المواقف الأوروبية اتسمت بازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي.

وأدى ذلك إلى تراجع إضافي في صورة الدول الأوروبية، بما في ذلك ألمانيا، التي كانت تُعد من أكثر الشركاء قبولاً لدى التونسيين، حتى إن بعض الأصوات طالبت بطرد السفير الألماني.

وترى الباحثة أن هذا المناخ جعل من الصعب على الدبلوماسيين الأوروبيين الحديث عن قضايا الديمقراطية أو حقوق الإنسان دون إثارة ردود فعل سلبية.

صعوبات في التواصل مع الرأي العام

وتؤكد الدراسة أن المسؤولين الأوروبيين أصبحوا يواجهون صعوبات متزايدة حتى في زيارة المشاريع التي يمولونها أو المشاركة في تدشينها، إذ تتطلب مثل هذه الزيارات إجراءات إدارية معقدة، وغالباً ما تتم بعيداً عن وسائل الإعلام.

وفي المقابل، لا تواجه المشاريع الصينية القيود نفسها، ما يسمح بإبرازها إعلامياً وربطها مباشرة بالصين، حتى وإن كان التمويل أوروبياً كما هو الحال بالنسبة لجسر بنزرت.

كيف تستعيد أوروبا حضورها؟

وتقترح الباحثة جملة من الخطوات لتعزيز حضور الاتحاد الأوروبي في تونس، من أبرزها التركيز على النتائج الملموسة للمشاريع بدلاً من الخطابات الدبلوماسية العامة، وإبراز الفوائد المباشرة التي تعود على المواطنين.

كما تدعو إلى اعتماد وسائل تواصل أكثر إبداعاً، تستهدف الرأي العام عبر حملات إعلامية وشخصيات من الجالية التونسية في أوروبا، بدل الاكتفاء بالبلاغات الرسمية.

وترى أيضاً أن على الاتحاد الأوروبي أن يكون أكثر صراحة بشأن مصالحه، خاصة في ملف الهجرة، وأن يعترف بالأخطاء السابقة التي أثرت على صورته، مثل قضية النفايات الإيطالية التي نُقلت إلى تونس، معتبرة أن الاعتراف بالأخطاء قد يسهم في استعادة الثقة.

رسالة إلى بروكسل

وتختتم الباحثة دراستها بالتأكيد على أن قضية « الجسر الصيني » لا تتعلق فقط بالتواصل الإعلامي، بل تطرح أيضاً سؤالاً أوسع حول كيفية ضمان ألا تتحول الأموال الأوروبية المخصصة للتنمية إلى عقود تستفيد منها شركات صينية في جوار أوروبا.

وتحذر من أن استمرار ضعف إبراز المساهمة الأوروبية في تونس قد يغذي داخل أوروبا نفسها الخطابات الشعبوية الرافضة للمساعدات الخارجية، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على حجم التمويلات الموجهة إلى دول الجوار، وفي مقدمتها تونس.

المصدر: دراسة بعنوان « معضلة ظهور أوروبا في تونس » للباحثة إيزابيل فيرنفيلس، الباحثة الأولى بقسم إفريقيا والشرق الأوسط في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى