تظهر الأرقام والبيانات الإحصائية الرسمية لقطاع الطاقة والكهرباء، والممتدة حتى موفى شهر أوت 2026، الصادرة اليوم 12 أكتوبر 2026 أن المنظومة الطاقية المحلية تواجه ضغوطاً هيكلية واضحة. وتتجلى هذه الضغوط في اتساع الفجوة بين الإمدادات والموارد المتوفرة من جهة، والنمو المتزايد للطلب المحلي من جهة أخرى؛ وهو ما أثر بشكل مباشر في مستويات الاستقلالية الطاقية وزاد من تعمق عجز الميزان التجاري للقطاع.
تراجع الموارد وانكماش الإتاوة الجزائرية
استقرت الموارد الوطنية من الطاقة الأولية—والتي تشمل الإنتاج المحلي مضافاً إليه الإتاوة المكتسبة من عبور الغاز الجزائري—عند نحو 2.3 مليون طن مكافئ نفط، مسجلة بذلك انخفاضاً بنسبة 5% مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025.
ويعود هذا الانكماش بصفة أساسية إلى هبوط الإنتاج الوطني من النفط الخام بنسبة 3% ليستقر عند حدود 828 ألف طن مكافئ نفط، إلى جانب تراجع سوائل الغاز بنسبة 12%. وفي السياق نفسه، شهدت الإتاوة الجملية المتأتية من عبور الغاز الجزائري انخفاضاً حاداً بنسبة 19%، لتهبط إلى 478 ألف طن مكافئ نفط مقارنة بـ 587 ألف طن في العام السابق، نتيجة تقلص كميات الغاز المارة عبر الأنابيب الوطنية نحو الخارج. في المقابل، سجل إنتاج الكهرباء الأولية من مصادر الطاقات المتجددة قفزة إيجابية بنسبة 64% ليصل إلى 109 آلاف طن مكافئ نفط.
وبالنظر إلى هيكل توزيع هذه الموارد المتاحة، يستأثر النفط والمكثفات بالحصّة الأكبر بنسبة 37%، يليه الغاز الوطني بنسبة 34%، ثم الإتاوة على الغاز الجزائري بنسبة 21%، وسوائل الغاز بنسبة 3%، في حين تسهم الكهرباء الأولية (المتجددة) بنسبة 5%.
إنتاج الغاز الطبيعي والاعتماد على الشراءات
شهد إنتاج الغاز الطبيعي التجاري الجاف تراجعاً طفيفاً بنسبة 1% ليبلغ حوالي 0.76 مليون طن مكافئ نفط. ويأتي هذا الانخفاض مدفوعاً بالتراجع الطبيعي لإنتاج الحقول الكبرى وغياب مشاريع جديدة للحفر والتطوير؛ حيث توقف الإنتاج تماماً في حقل « معمورة وبركة » (-100%)، وتراجع في حقل « شيبة وبنفسج » بنسبة (-61%). وعلى العكس من ذلك، أظهرت حقول أخرى مرونة جيدة كحقل « الفرانيق وباقل وحرفة وصبرية وغريب وسيدي مرزوق » الذي حقق نمواً بنسبة 39%.
ومن أجل سد هذا النقص وتأمين حاجيات الاستهلاك المحلي، اتجهت البلاد نحو رفع شراءات الغاز التجاري بنسبة 4% لتصل إلى 2008 آلاف طن مكافئ نفط.
نمو الاستهلاك الداخلي والمواد البترولية
على صعيد، ارتفع الطلب الجملي على الطاقة الأولية ليصل إلى 7 ملايين طن مكافئ نفط، مسجلاً زيادة بنسبة 6% مقارنة بمستويات سنة 2025. وتوزع هذا النمو على النحو التالي:
- الطلب على الغاز الطبيعي: ارتفع بنسبة 4% ليبلغ 3.5 مليون طن مكافئ نفط، مدفوعاً بزيادة استهلاك قطاع توليد الكهرباء بنسبة 5%، والذي يستأثر بمفرده بالحصة الأكبر بنسبة 74% من إجمالي الطلب على الغاز، يليه الضغط المنخفض والمتوسط بنسبة 19%، ثم الضغط العالي بنسبة 7%.
- الطلب على المواد البترولية: سجل نمواً عاماً بنسبة 8% (ليصل إلى 3337 ألف طن مكافئ نفط)، حيث قفز استهلاك البنزين بنسبة 13%، والغازوال بنسبة 9%، وكيروزان الطيران بنسبة 6%، وفحم البترول بنسبة 4%، في حين استقر استهلاك غاز البترول المسال عند زيادة طفيفة تعادل 1%.
إنتاج الكهرباء وواقع مزيج الطاقة
نما الإنتاج الوطني للكهرباء بنسبة 9% ليبلغ حوالي 15284 جيغاوات ساعة بموفى أوت 2026، وصاحب ذلك زيادة في التزوّد الجملي بنسبة 8% (17106 جيغاوات ساعة).
وتكشف تفاصيل المزيج عن استمرار الاعتماد شبه الكلي لأسطول التوليد على الغاز الطبيعي بنسبة 91%، في حين تغطي المواد البترولية (الفيول والغازوال) نسبة ضئيلة جداً لا تتعدى 0.4%. وعلى الصعيد المؤسساتي، لا تزال الشركة التونسية للكهرباء والغاز تحافظ على النصيب الأكبر بنسبة 92% من إجمالي الإنتاج المحلي.
أما مساهمة الطاقات المتجددة (باعتبار المنتجين الذاتيين)، فقد بلغت حصتها 8.4% من المزيج الإجمالي، مستفيدة من القفزة الاستثنائية التي حققها إنتاج الخواص من الطاقة الشمسية بنسبة 818% والإنتاج الذاتي بنسبة 44%. وتتوزع حصة المتجددة بين 7.75% للطاقة الشمسية، و0.6% للطاقة الهوائية، و0.07% للطاقة المائية. كما ساهم الارتفاع الملحوظ في واردات الكهرباء من الجزائر في تغطية 10% من الحاجيات الوطنية.
تراجع الاستقلالية الطاقية وتفاقم العجز المالي
أدت الفجوة بين انكماش الموارد المحلية وتصاعد الاستهلاك إلى تراجع واضح في مؤشرات السيادة الطاقية والتجارية:
- نسبة الاستقلالية الطاقية: تراجعت نسبة تغطية الموارد المتاحة للطلب الجملي لتستقر في حدود 32% بموفى أوت 2026، بعد أن كانت في حدود 36% خلال نفس الفترة من سنة 2025، و41% في سنة 2024.
- عجز ميزان الطاقة: سجل الميزان الحجمي عجزاً ناتجاً عن الفارق بين الإنتاج والاستهلاك قدره 4.7 ملايين طن مكافئ نفط، بزيادة في العجز بلغت 12% على أساس سنوي.
- نزيف الميزان التجاري المالي: تعمق العجز المالي للقطاع ليتجاوز -9658 مليون دينار بموفى أوت 2026، مقارنة بـ -7474 مليون دينار في الفترة المقابلة من العام الماضي.
حركية الاستكشاف والتطوير وضغوط الأسواق
في محاولة للحد من الانخفاض الطبيعي للآبار القديمة، تضم البلاد حالياً 11 رخصة بحث واستكشاف سارية المفعول، تستند إلى 57 امتياز استغلال (منها 44 امتيازاً في طور الإنتاج الفعلي). وقد شهدت هذه الفترة انتهاء صلاحية رخصة « جنين الجنوبية » في 19 أفريل 2026، مع تسجيل رخصة واحدة ملغاة نتيجة التخلي عنها.
وعلى الصعيد الميداني، تم حفر 3 آبار تطويرية جديدة (توزعت بين رخص سيدي مرزوق، وصبرية، وآدم) وبئرين استكشافيتين (« إل إم جي-3″ في نفزاوة، و »بوغرارة-1 »)، دون أن تسفر هذه الجهود عن أي اكتشافات تجارية جديدة حتى نهاية أوت.
وعلى مستوى الأسواق، تأثرت الحسابات المالية بالتقلبات الدولية؛ حيث قفز المعدل السعري لخام برنت بنسبة 28% ليصل إلى 91.2 دولار للبرميل، مما زاد من ثقل فاتورة التوريد، على الرغم من التحسن الطفيف في معدل سعر صرف الدينار أمام الدولار الأمريكي بنسبة 4% ليبلغ 2.91 دينار للدولار الواحد.
