الرئيسية آخر الأخبار «سياحة الإذلال الموسمي».. تدوينة تنتقد النموذج السياحي التونسي وتفتح نقاشاً حول جدوى...

«سياحة الإذلال الموسمي».. تدوينة تنتقد النموذج السياحي التونسي وتفتح نقاشاً حول جدوى السياحة الشاملة

0
1
blank

أثارت تدوينة للأستاذ المساعد في التعليم العالي شاوش غيث نقاشاً حاداً حول طبيعة النموذج السياحي المعتمد في تونس، منتقدة ما وصفته بـ«سياحة الإذلال الموسمي»، ومعتبرا أن البلاد تستقبل أعداداً من السياح الأوروبيين ضمن منظومة سياحية مغلقة لا تنعكس بالقدر الكافي على بقية القطاعات الاقتصادية والمجتمع المحلي.

ويذهب صاحب التدوينة إلى أن جزءاً مهماً من السياحة التونسية يقوم على استقبال الزائر داخل وحدات فندقية ضخمة، غالباً وفق صيغة الإقامة الشاملة، حيث يجد السائح معظم حاجياته داخل الفندق، من الطعام والشراب إلى الترفيه، بما يقلل، وفق تقديرها، من إنفاقه خارج الوحدة السياحية.

وينتقد غيث ما تعتبره مفارقة صارخة بين واقع المدن السياحية وبين ما يجري داخل الفنادق، مشيرة إلى أن المواطن التونسي يواجه أزمات مرتبطة بالمواد الأساسية والمياه والطاقة، في حين تحافظ المؤسسات السياحية على مستوى من الخدمات والاستهلاك يختلف كثيراً عن الحياة اليومية خارج أسوارها.

ويقول صاحب التدوينة إن العامل الموسمي في القطاع السياحي يجد نفسه في علاقة اقتصادية غير متوازنة، إذ يعمل خلال بضعة أشهر من السنة بأجور محدودة، ثم يعود إلى البطالة أو العمل غير المنتظم خلال بقية السنة، في نموذج ترى أنه يكرس هشاشة شريحة واسعة من اليد العاملة السياحية.

السائح داخل الفندق.. والاقتصاد خارج الحسابات؟

أبرز أفكار التدوينة تتمثل في انتقاد نموذج «الإقامة الشاملة»،أول أنكلوسف الذي يعتبره صاحبها أحد أسباب ضعف استفادة الاقتصاد المحلي من السائح.

فالسائح الذي يدفع مقابل إقامته وطعامه وشرابه وخدماته داخل الفندق، بحسب هذا الطرح، قد لا يترك سوى جزء محدود من إنفاقه في المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية والأنشطة الثقافية والترفيهية خارج المؤسسة السياحية.

ويطرح غيث بذلك سؤالاً يتجاوز مسألة عدد الوافدين إلى تونس: هل تقاس نجاحات السياحة بعدد السياح فقط، أم بحجم ما ينفقه السائح خارج الفندق وبعدد القطاعات التي تستفيد من وجوده؟

فارتفاع عدد الوافدين لا يعني بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً في مداخيل بقية الأنشطة الاقتصادية، إذا كان جزء كبير من الإنفاق يتم مسبقاً داخل المنظومة الفندقية.

العملة الصعبة.. ثم ماذا؟

وتتوقف التدوينة أيضاً عند مداخيل السياحة من العملة الصعبة، معتبرة أن جزءاً من هذه العائدات ينتهي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في تمويل حاجيات البلاد من الخارج، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

ويربط صاحب التدوينة هذه المفارقة بما تعتبره دائرة اقتصادية غير متكافئة: يأتي السائح الأوروبي إلى تونس وينفق العملة الصعبة، ثم تستخدم البلاد جزءاً من مواردها الخارجية لتمويل وارداتها، بينما يواصل التونسي السعي إلى السفر نحو أوروبا وإنفاق جزء من أمواله هناك.

غير أن هذه النقطة تبقى في إطار التحليل والرأي السياسي والاقتصادي لصاحبة التدوينة، ولا تعني وجود علاقة مباشرة بين كل دينار من عائدات السياحة وتمويل سلعة أو خدمة بعينها.

من العامل الموسمي إلى «الموسم الأوروبي»

ولا تكتفي غيث بانتقاد السياحة، بل توسع قراءتها لتشمل وضع العامل الموسمي نفسه.

فبعد انتهاء الموسم السياحي، تقول، يجد آلاف العمال أنفسهم أمام أشهر طويلة من البطالة أو العمل الهش، في انتظار موسم سياحي جديد.

وتربط صاحبة التدوينة هذا الوضع بما تصفه بسخرية بـ«موسم الشيشة والبطولات الأوروبية وصوت الشوالي»، في إشارة إلى عودة العامل الموسمي إلى حياته اليومية بعد انتهاء الموسم، بينما يواصل البحث عن مصدر دخل إلى حين عودة السياح.

«باديس وعزيز».. صورة ساخرة للهجرة

ومن أكثر أجزاء التدوينة سخرية ذلك المتعلق بـ«باديس وعزيز»، وهما اسمان يستخدمهما الكاتب كرمز لأبناء العائلات الميسورة الذين يذهبون للدراسة في أوروبا، ثم قد يعودون لاحقاً إلى تونس حاملين شهادات وتجارب أوروبية.

ويستخدم صاحب التدوينة هذه الصورة للسخرية من ظاهرة استيراد نماذج وحلول جاهزة من أوروبا، معتبرة أن بعض النخب قد تعود لتشرح للتونسيين كيفية الخروج من التخلف اعتماداً على نماذج المجتمعات الأوروبية.

ويربط ذلك أيضاً، بصورة ساخرة، بتكوين أحزاب سياسية جديدة ترفع شعارات الشباب والحداثة والتسامح والخصوصية التونسية.

بين السياحة والهجرة.. مفارقة تونسية

في خاتمة تدوينته يقدم غيث مفارقة أوسع: السائح الأوروبي يعود إلى بلده، وقد يصوت لاحقاً لأحزاب يمينية ترفع شعارات معادية للهجرة والعرب، بينما يعود العامل التونسي إلى موسم البطالة، في انتظار عودة السياح أو فرصة للهجرة إلى أوروبا.

ومن هنا تتحول التدوينة من انتقاد للسياحة إلى نقد لعلاقة اقتصادية واجتماعية أوسع بين تونس وأوروبا، يرى صاحبها أنها تقوم على حركة غير متكافئة: سياح أوروبيون يأتون إلى تونس بحثاً عن الشمس والخدمات بأسعار منخفضة، وعمال تونسيون يحلمون بالوصول إلى أوروبا بحثاً عن أجور وفرص أفضل.

ويختصر غيث موقفها بعبارة شديدة اللهجة: «يا للذل يا للعار»، قبل أن تستحضر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد ومفهومه للاستشراق، لتضع تجربته النقدية ضمن رؤية أوسع للعلاقة بين الشرق والغرب.

السياحة ليست المشكلة.. ولكن أي سياحة؟

وبعيداً عن العبارات الصادمة التي اختارها صاحب التدوينة، فإن النقاش الذي تفتحه يطرح سؤالاً اقتصادياً مشروعاً: هل نجحت تونس في الانتقال من سياحة الأعداد إلى سياحة القيمة؟

فالسائح الذي يقيم في فندق ويستهلك معظم خدماته داخله لا يترك الأثر الاقتصادي نفسه الذي يتركه سائح ينفق في المطاعم والمقاهي والمتاحف والأسواق والأنشطة الثقافية والترفيهية والنقل والحرف التقليدية.

وهنا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم سائحاً دخل تونس؟

بل: كم أنفق؟ وأين أنفق؟ وكم من هذا الإنفاق وصل إلى المواطن والمؤسسة الصغرى والعامل والحرفي والمطعم والنقل والمنتج الفلاحي؟

تلك هي المسألة التي تضعها تدوينة شاوش غيث، بأسلوب ساخر وصادم، على طاولة النقاش حول السياحة التونسية: هل نحتاج إلى مزيد من السياح، أم إلى نموذج سياحي يجعل كل سائح ينفق أكثر ويخرج من الفندق أكثر؟