شهدت ولاية باجة التونسية محطة تاريخية بارزة في مسيرتها الصناعية، تمثلت في الافتتاح الرسمي للمصنع العملاق الجديد « باجة 2 » التابع للمجمع الألماني « كرومبرغ وشوبرت ».
هذا الحدث الضخم، الذي جرى بحضور رفيع المستوى من مسؤولين تونسين وسفيرة ألمانيا بتونس، لم يكن مجرد تدشين لمنشأة تقليدية، بل أعلن رسمياً عن ولادة أكبر وحدة إنتاجية للمجمع الألماني في تونس وأحد أهم قلاعه الصناعية عبر القارات. باستثمار هائل بلغ ثلاثمئة مليون دينار تونسي، يهدف المصنع إلى خلق نقلة نوعية عبر توفير سبعة آلاف وخمسمئة موطن شغل إضافي بحلول سنة ألفين وتسعة وعشرين، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي لعمال المجموعة في باجة إلى زهاء أربعة عشر ألفاً وسبعمئة عامل وعاملة.
ولكن، ما هي قصة هذه المؤسسة العالمية التي باتت تصنع الحدث في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية؟
النشأة والتاريخ: قرن وثلاثة عقود من التميز الصناعي
تأسست شركة كرومبرغ وشوبرت العالمية في ألمانيا عام ألف وتسعمئة واثنين، مما يعني أنها تمتلك إرثاً صناعياً يمتد لأكثر من مئة وعشرين عاماً. بدأت الشركة كمنشأة عائلية متخصصة في الأنظمة الكهربائية، ومع الثورة الهائلة التي شهدها قطاع صناعة السيارات عالمياً، تطورت لتصبح شريكاً استراتيجياً ومزوداً رئيسياً من الصنف الأول لكبرى شركات تصنيع السيارات في العالم، لا سيما الماركات الألمانية والأوروبية الفاخرة.
التخصص والابتكار التقني
تتخصص المؤسسة في هندسة وتطوير وإنتاج الأنظمة المعقدة للمركبات، حيث تشمل منتجاتها:
- أنظمة الكوابل وضفائر السيارات: وهي بمثابة الجهاز العصبي للمركبة، المسؤول عن نقل الطاقة والبيانات بين مختلف أجزاء السيارة.
- الشبكات الكهربائية: المخصصة للأنظمة الحيوية والدقيقة في السيارات الحديثة.
- حلول الاتصال والتكنولوجيا الذكية: لمواكبة الجيل الجديد من السيارات الكهربائية والذكية.
التوسع العالمي والمسيرة في تونس
لا تقتصر أنشطة المجمع على موطنه الأصلي؛ بل يمتلك شبكة جغرافية واسعة تضم عشرات المصانع ومراكز التطوير الموزعة على مختلف قارات العالم. وقد بدأت قصة نجاح المجمع في تونس وتحديداً في ولاية باجة عام ألفين وثمانية، حيث انطلقت بوحدة إنتاجية أولى، نجحت على مدار سنوات في تشغيل آلاف الكفاءات التونسية بنسب تأطير وهندسة عالية.
فلسفة المؤسسة والمناخ الاجتماعي
تُعرف المؤسسة محلياً ليس فقط بحجمها الاقتصادي، بل أيضاً بنموذجها المتميز في إدارة الموارد البشرية والمناخ الاجتماعي:
- تطوير الكفاءات: تركز الشركة على التكوين المستمر ونقل تكنولوجيا التصنيع الدقيقة إلى اليد العاملة والإطارات التونسية.
- الاستدامة والمسؤولية المجتمعية: تنظم الشركة بانتظام فعاليات لحماية البيئة والصحة والسلامة المهنية، فضلاً عن الأنشطة الاجتماعية السنوية لدعم الإحاطة بالعاملين وعائلاتهم وتكريم المتفوقين من أبنائهم.
إن افتتاح المصنع الجديد لشركة كرومبرغ وشوبرت يبرهن على أن العلاقة بين هذا العملاق الألماني وتونس تجاوزت مجرد استثمار عابر، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية في النسيج التنموي التونسي، تساهم بقوة في جعل تونس قطباً إقليمياً رائداً في صناعة مكونات السيارات، وتقديم نموذج حي للمؤسسات القادرة على دمج الأداء الصناعي العالمي بالمسؤولية المجتمعية المحلية.
