لوح في الأفق بوادر أزمة سياسية وحقوقية جديدة في إيطاليا، عقب تسجيل حالة انتحار جديدة داخل سجن مدينة « سبوليتو » بمقاطعة أومبريا، وسط اتهامات حادة من الهيئات الحقوقية والنقابية لروما بـ « الصمت المتعمد » والتجاهل الممنهج للأوضاع الكارثية التي تعيشها السجون الإيطالية.
ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية أنسا عن السلطات الإقليمية، نبأ عثور حراس السجن على نزيل يحمل الجنسية التونسية، يبلغ من العمر 45 عاماً، مفارقاً الحياة داخل زنزانته في قسم « الأمن المتوسط » إثر قيامه بشنق نفسه. وتشير التقارير الأولية إلى أن الضحية كان يقبع في الحبس الاحتياطي بانتظار الحكم النهائي، وكان يعاني من مشاكل مرتبطة بالإدمان على المخدرات، دون أن تظهر عليه سابقاً مؤشرات صريحة للاعتلال النفسي الحاد .
ناقوس الخطر: « مأساة معلنة »
هذه الحادثة الفاجعة لا تمثل مجرد رقم عابر، بل هي الانتحار الثالث الذي تشهده سجون مقاطعة أومبريا منذ مطلع عام 2026، مما يعكس تدهوراً متسارعاً في البيئة العقابية.
وفي بيان غاضب، أكد المحامي « جوزيبي كافوريو »، المفوض الإقليمي لحقوق السجناء في أومبريا، أن الاكتفاء بصياغة « بيانات التعزية والاستنكار » لم يعد كافياً لوقف نزيف الأرواح خلف القضبان. وأضاف كافوريو: « نواجه واقعاً مأساوياً يتطلب حلولاً جذرية فورية، وليس مجرد وعود حكومية مؤجلة ».
من جانبها، عبرت رئيسة إقليم أومبريا « ستيفانيا برويتي »، رفقة مستشار الرعاية الاجتماعية، عن تعازيها الحارة لعائلة المتوفى، مشددة على أن مثل هذه الأحداث تمنع المؤسسات من « غض الطرف » أو التغاضي عن الملف الحقوقي للسجون.
الثالوث الأسود: اكتظاظ، نقص، وإهمال طبي
تُجمع المنظمات الحقوقية والسياسية المعارضة على أن انتحار النزيل التونسي هو نتيجة مباشرة لثلاث أزمات هيكلية مزمنة تعصف بالمؤسسات الإصلاحية في إيطاليا:
- الاكتظاظ الهيكلي الخانق: تخطت السجون طاقتها الاستيعابية القصوى بنسب قياسية، مما يحول الزنازين إلى بيئات خانقة تفتقر للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية .
- العجز الحاد في أفراد الأمن: تعاني نقابة الشرطة القضائية والسجون من نقص عددي حاد في كوادرها ، مما يحول دون توفير رقابة وقائية فعالة قادرة على التدخل السريع لإنقاذ السجناء في الحالات الحرجة.
- انهيار منظومة الرعاية الصحية والنفسية: تشهد المصحات التابعة للسجون غياباً كاملاً لبرامج الدعم النفسي المتخصصة، وخاصة للنزلاء الذين يعانون من تبعات الإدمان والاضطرابات السلوكية .
تنديد سياسي وضغوط على الحكومة
وفي سياق الردود السياسية، وصف السيناتور الإيطالي « والتر فيريني » تكرار حوادث الانتحار بأنه « فشل ذريع للدولة » في الإيفاء بواجباتها الدستورية لحماية حياة الأفراد الخاضعين لرقابتها ووجه فيريني انتقادات لاذعة لوزارة العدل والحكومة المركزية في روما بسبب ما وصفه بـ « الصمت المطبق » وغياب خطة طوارئ وطنية لانتشال قطاع السجون من هاوية الانهيار الشامل.
تفتح هذه الفاجعة الجديدة الباب واسعاً أمام تساؤلات معقدة حول مدى التزام إيطاليا بالمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان داخل مراكز الاحتجاز، في وقت تطالب فيه الهيئات المدنية بفتح تحقيق قضائي عاجل وشامل لتحديد المسؤوليات الإدارية والطبية التي أدت إلى هذه النهاية المأساوية.



