الصين من أكبر المستفيدين من المعادن الإفريقية، وشركاتها حاضرة بقوة في المناجم ومصانع التكرير. فهل تريد بكين فعلاً تغيير قواعد اللعبة، أم أن خطاب السيادة الإفريقية يخفي وراءه معركة جديدة للسيطرة على الثروات؟
قال الرئيس الصيني شي جينبينغ إن موارد إفريقيا ملك للأفارقة وحدهم، وإن احترام هذا المبدأ يجب أن يكون شرطاً لأي تعاون في قطاع التعدين. كلام واضح، يحمل في ظاهره دعماً لحق الدول الإفريقية في ثرواتها، لكنه يطرح سؤالاً يصعب تجاهله: إذا كانت هذه الموارد ملكاً لأصحابها، فلماذا لا تزال دول إفريقية غنية بالمعادن تعاني الفقر، بينما تحقق الصناعات التي تعالج تلك المعادن وتحوّلها إلى منتجات نهائية أرباحاً أكبر بكثير؟
جاء موقف شي خلال لقائه رئيس بوتسوانا دوما بوكو في بكين، الثلاثاء 13 أكتوبر، في وقت تحتدم فيه المنافسة الدولية على المعادن التي تحتاجها الصناعات الحديثة، من بطاريات السيارات الكهربائية إلى المعدات الإلكترونية والتكنولوجيات العسكرية.
ولم يقتصر الرئيس الصيني على الحديث عن السيادة الإفريقية، بل أقرّ بأن النظام الاقتصادي العالمي أبقى القارة في أسفل سلم القيمة المضافة، داعياً إلى معالجة هذا الخلل، وعارضاً مساعدة بلاده في إعداد خطط لتطوير قطاع التعدين.
لكن بين ما يقوله شي وما يجري على الأرض مسافة تستحق التوقف عندها.
من الكونغو إلى الصين.. أين تذهب القيمة الحقيقية للمعادن؟
تكفي العودة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية لفهم جانب من المفارقة.
هذا البلد الإفريقي غني بالنحاس والكوبالت، ويحتل موقعاً مهماً في سوق المعادن التي تحتاجها الصناعات العالمية. ومع ذلك، فإن امتلاك المناجم لا يعني امتلاك جميع مراحل الإنتاج. فالشركات الصينية حاضرة بقوة في قطاع التعدين الكونغولي، فيما تتركز في الصين قدرات كبيرة على معالجة الكوبالت وتكريره وتحويله إلى مواد تدخل في الصناعات المتقدمة.
وهنا تكمن المشكلة التي لا تحلها التصريحات السياسية وحدها.
تستخرج الدولة الإفريقية ثروتها من الأرض، لكنها قد لا تحصل إلا على جزء من القيمة التي تحققها هذه الثروة بعد معالجتها وتصنيعها. أما الأرباح الصناعية الأكبر، والخبرة التكنولوجية، والوظائف المرتبطة بالمراحل المتقدمة من الإنتاج، فقد تذهب إلى بلدان أخرى.
بعبارة أبسط، ليست المسألة فقط من يملك المنجم، بل من يملك المصنع والتكنولوجيا، ومن يحدد شروط البيع، ومن يحصل على النصيب الأكبر من الأرباح.
وهذا ليس اتهاماً للصين وحدها، بل وصف لمشكلة اقتصادية تعانيها بلدان إفريقية عديدة في تعاملها مع الأسواق والشركات الأجنبية.
اتفاق صيني أثار الجدل في الكونغو
في عام 2008، أبرمت جمهورية الكونغو الديمقراطية اتفاقاً مع شركات صينية يقوم على استغلال الموارد المعدنية مقابل تمويل مشاريع للبنية التحتية. وقد قُدّم الاتفاق باعتباره صيغة تسمح للبلاد بتحويل ثرواتها الطبيعية إلى طرق ومنشآت ومشاريع تنموية.
لكن الاتفاق، المعروف باسم «سيكومين»، ظل محل نقاش بشأن مدى التوازن بين قيمة الثروات المستغلة وما تحصل عليه الدولة الكونغولية من منافع.
وأثارت شروطه والتزاماته المتعلقة بالبنية التحتية مطالب بمراجعته وتعزيز الشفافية بشأن عوائده. وفي مثل هذه الاتفاقيات، لا يكفي الإعلان عن مليارات الدولارات من الاستثمارات، بل ينبغي معرفة ما نُفذ فعلياً، وما دفعته الشركات من ضرائب وإتاوات، وما بقي للدولة من عائدات، وما تحقق للمواطنين من فرص عمل وخدمات.
فإذا كانت بكين تدعو اليوم إلى معالجة الظلم التاريخي الذي تعرضت له إفريقيا في تقسيم العمل العالمي، فإن العقود القائمة والجديدة ستكون الاختبار الأكثر وضوحاً لمدى جدية هذا الموقف.
هل تقبل الصين بتصنيع المعادن داخل إفريقيا؟
هذا هو السؤال الأهم.
لا تحتاج الدول الإفريقية إلى استخراج المزيد من المعادن فحسب، بل إلى بناء صناعات تحولها إلى منتجات ذات قيمة أعلى. فالليثيوم والنحاس والكوبالت لا ينبغي أن تبقى مجرد مواد خام تغادر الموانئ الإفريقية لتعود بعد ذلك في شكل بطاريات وأجهزة ومعدات مرتفعة الثمن.
لكن بناء هذه الصناعات يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وطاقة مستقرة، وخبرات فنية، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج. وهنا يمكن للصين أن تلعب دوراً مهماً، بحكم ما تمتلكه من خبرة صناعية وقدرات تكنولوجية.
غير أن السؤال يبقى: هل ستكتفي الشركات الصينية باستخراج المعادن ونقلها إلى مصانعها، أم ستستثمر في إقامة مصانع المعالجة والتحويل داخل الدول الإفريقية، وتدرب العمال المحليين، وتنقل التكنولوجيا، وتسمح لهذه البلدان بالحصول على حصة أكبر من الأرباح؟
الفرق بين الحالتين كبير. ففي الأولى، تظل إفريقيا مورداً للمواد الخام وسوقاً للمنتجات المصنعة. وفي الثانية، يمكن أن تتحول الثروات المعدنية إلى قاعدة لبناء صناعة محلية توفر الوظائف وتزيد الإيرادات وتقلل الاعتماد على الخارج.
ولا يمكن الجزم مسبقاً بأن جميع الاستثمارات الصينية تسير في اتجاه واحد؛ فالمشاريع والاتفاقيات تختلف. لكن ما ينبغي أن يتغير هو معيار تقييمها: ليس حجم الأموال المعلن عنها، بل ما تتركه فعلياً داخل الاقتصاد الإفريقي.
بكين وواشنطن.. من يحمي مصالح إفريقيا؟
تأتي تصريحات شي في وقت تتنافس فيه الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تأمين المعادن الحيوية. ولم تعد هذه الموارد مسألة تجارية عادية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي والصناعات المتقدمة والتحول في مجال الطاقة.
الصين تريد ضمان استمرار إمدادات المعادن التي تحتاجها مصانعها، فيما تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى تنويع مصادر التوريد وتقليص الاعتماد على القدرات الصينية في بعض مراحل المعالجة والتكرير.
وفي هذا السياق، حذّر شي من أن تصبح الموارد الإفريقية أدوات للصراعات الجيوسياسية، ودعا القوى الأجنبية إلى العمل من أجل تنمية القارة.
لكن الصين نفسها طرف رئيسي في هذه المنافسة، وليست مراقباً يقف خارجها. ولديها مصالح اقتصادية واستراتيجية مباشرة في المناجم الإفريقية وفي استمرار تدفق المعادن إلى صناعاتها.
لذلك، فإن التعامل مع تصريحات الرئيس الصيني باعتبارها موقفاً أخلاقياً خالصاً سيكون تبسيطاً للمشهد. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، حتى عندما تقدم سياساتها في إطار التعاون والتنمية.
وهذا لا يعني أن الشراكة مع الصين لا تفيد إفريقيا، بل يعني أن هذه الفوائد يجب أن تُقاس بالأرقام والعقود والنتائج، لا بالتصريحات وحدها.
الإعفاء الجمركي لا يصنع نهضة صناعية
أعلنت بكين في الأول من ماي 2026 توسيع الإعفاء من الرسوم الجمركية ليشمل واردات جميع الدول الإفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، باستثناء إسواتيني بسبب علاقاتها مع تايوان.
يمكن لهذه الخطوة أن تفتح فرصاً إضافية أمام الصادرات الإفريقية، لكن فتح السوق الصينية لا يكفي وحده لتغيير موقع القارة في الاقتصاد العالمي.
فإذا كانت إفريقيا تصدر أساساً المعادن والمواد الخام، بينما تستورد المنتجات المصنعة، فإن زيادة التجارة قد لا تؤدي إلى تغيير جوهري في توزيع الأرباح والقيمة المضافة.
أما إذا استُخدمت هذه الفرصة لتطوير الصناعات المحلية، وتشجيع الاستثمار في التحويل والتصنيع، ورفع كفاءة الإنتاج، فقد تصبح التجارة مع الصين أداة حقيقية للتنمية.
والأمر نفسه ينطبق على الشراكات مع أوروبا والولايات المتحدة وغيرها: لا توجد قوة كبرى تقدم استثماراتها من دون حساب مصالحها، لكن بوسع الدول الإفريقية أن تحسن شروط التفاوض إذا امتلكت استراتيجيات واضحة ومؤسسات قادرة على حماية حقوقها.
إفريقيا لا تحتاج إلى خطابات جديدة
المشكلة ليست في الاعتراف بحق الأفارقة في ثرواتهم، فهذا الحق لا يحتاج إلى إعلان صيني أو أمريكي. المشكلة في قدرة الدول الإفريقية على فرض هذا الحق في العقود والأسواق.
تحتاج هذه الدول إلى شفافية في الاتفاقيات التعدينية، وإلى معرفة دقيقة بحجم الموارد المستخرجة والعائدات المتأتية منها. كما تحتاج إلى أنظمة ضريبية عادلة، ورقابة بيئية، وتكوين مهني، واستثمارات في الطاقة والنقل، وسياسات تشجع الشركات على إقامة المصانع داخل القارة بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى التفاوض من موقع أقوى. فالدولة التي تتنافس منفردة على جذب الشركات الأجنبية ليست في الموقع نفسه الذي تكون فيه مجموعة دول تتفق على شروط واضحة للاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا.
أما الاعتماد على شريك واحد، مهما كانت قوته أو طبيعة خطابه، فيمكن أن يحول التعاون الاقتصادي إلى مصدر جديد للهشاشة.
شي جينبينغ يقول إن موارد إفريقيا ملك لها وحدها. لكن الامتحان لن يكون في ما تقوله بكين، بل في ما تقبله شركاتها داخل المناجم وعلى طاولات التفاوض.
هل تقبل الصين بأن تحصل الدول الإفريقية على حصة أكبر من الأرباح، وأن تقيم مصانعها على أراضيها، وأن تنتقل إليها التكنولوجيا والخبرة؟ وهل تقبل بأن تصبح إفريقيا شريكاً في التصنيع، لا مجرد مصدر للمواد الخام؟
هذه هي الأسئلة التي ستكشف حقيقة الأقوال.
فالثروة التي تبقى في باطن الأرض ملك لأصحابها قانوناً، لكن الثروة التي تُستخرج وتُباع وتُصنّع وتُوزع عائداتها بعدالة هي وحدها القادرة على تغيير حياة الناس.
إفريقيا لا تحتاج إلى من يؤكد لها أن ثرواتها ملك لها؛ إنها تحتاج إلى أن تصبح صاحبة القرار الفعلي في مصير هذه الثروات.
*** في النصف الأول من سنة 2026، بلغت واردات تونس من الصين 6.534 مليارات دينار، مقابل صادرات تونسية إليها بقيمة 208.9 ملايين دينار فقط، ما خلّف عجزا تجاريا قدره 6.325 مليارات دينار لفائدة الصين.
