لم يكن ظهور الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي عبر قناة «فرانس 24» مجرد إطلالة إعلامية عابرة بالنسبة إلى صحيفة «الخبر» الجزائرية، التي اختارت أن تتعامل مع عودته إلى المشهد السياسي التونسي من زاوية شديدة الحدة، واضعة الرجل في قلب سجال يتجاوز حدود الخلاف السياسي الداخلي إلى أسئلة تتعلق بالخارج ودوره في التأثير على المشهد التونسي.
وتأتي هذه الحملة الإعلامية حسب مقال الخبر في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصريحات للرئيس التونسي قيس سعيّد تحدث فيها عن وجود أطراف تسعى إلى ضرب استقرار البلاد، من خلال تخريب شبكات الكهرباء والمياه وتأليب الرأي العام ضد الدولة، في وقت تعيش فيه تونس على وقع أزمة اجتماعية واقتصادية حادة، وتوتر سياسي متصاعد مع اقتراب إحياء ذكرى 25 جويلية.
وفي هذا السياق، أعادت «الخبر» الجزائرية تسليط الضوء على المرزوقي، الذي يقيم خارج تونس منذ سنوات، وقدمته باعتباره شخصية سياسية تحولت من رئيس سابق للجمهورية إلى أحد أبرز المنتقدين للرئيس قيس سعيّد وسياساته منذ إجراءات 25 جويلية 2021.
«فرانس 24» تعيد المرزوقي إلى الواجهة
أثار ظهور المرزوقي على شاشة «فرانس 24» رد فعل رسميا تونسيا، بحسب الرواية الواردة في النص المتداول، إذ تحولت المقابلة إلى مناسبة لإعادة فتح ملف العلاقة بين الرئيس الأسبق والسلطات التونسية الحالية.
وتقول الرواية إن وزارة الشؤون الخارجية التونسية احتجت لدى الجانب الفرنسي على استضافة المرزوقي، معتبرة أن ما ورد في المقابلة يتجاوز حدود المعارضة السياسية ويمس، من وجهة نظرها، السيادة الوطنية والأمن القومي.
وبذلك، لم تعد المسألة بالنسبة إلى السلطات التونسية مجرد خلاف بين رئيس حالي ورئيس سابق، بل أصبحت جزءا من مواجهة سياسية وإعلامية أوسع، عنوانها الأساسي: هل يتحول الخطاب السياسي الصادر من الخارج إلى عنصر مؤثر في الصراع الداخلي؟
وهنا تحديدا تدخل صحيفة «الخبر» الجزائرية على الخط، لتقدم قراءة أكثر تشددا لدور المرزوقي، وتربط بين مواقفه الأخيرة وبين ما تعتبره حملات تستهدف الدولة التونسية.
من المعارضة إلى «حصان طروادة»؟
العبارات التي استخدمها النص في وصف المرزوقي شديدة القسوة، إذ تتحدث عن «العميل المخلص» و«حصان طروادة»، في إشارة إلى اعتقاد أصحاب هذه القراءة بأن الرئيس التونسي الأسبق لم يعد يتحرك فقط باعتباره معارضا سياسيا لقيس سعيّد، وإنما بات جزءا من صراع إقليمي تتقاطع فيه مصالح قوى خارجية.
وهذه الاتهامات تبقى، بطبيعة الحال، قراءة سياسية وليست حقائق مثبتة قضائيا، إلا أن طرحها يكشف حجم التحول في صورة المرزوقي داخل بعض الأوساط الإعلامية والسياسية الجزائرية.
فالصحيفة تربط بين تحركاته وبين ما تصفه بتقاطع مصالح بين أطراف إقليمية ودولية، وتضع فرنسا والمغرب والإمارات ضمن دائرة القوى التي تقول إن لها مصلحة في التأثير في الوضع التونسي.
وفي هذه القراءة، يصبح المرزوقي أحد الوجوه القادرة على مخاطبة الرأي العام التونسي من الخارج، مستفيدا من ظهوره في وسائل إعلام دولية، وهو ما يمنح تصريحاته قدرة على تجاوز الحدود التونسية والوصول إلى دوائر سياسية وإعلامية أوسع.
لماذا يثير المرزوقي كل هذا الجدل؟
لا يمكن فصل هذا الجدل عن المسار السياسي الذي سلكه المرزوقي منذ مغادرته قصر قرطاج.
فالرجل الذي تولى رئاسة الجمهورية بين 2011 و2014 أصبح منذ 25 جويلية 2021 من أشد منتقدي الرئيس قيس سعيّد، وذهب في خطاباته إلى المطالبة بإنهاء ما يعتبره «الانقلاب» على المسار الديمقراطي.
وفي المقابل، تعتبر السلطة التونسية أن جزءا من الخطاب الصادر من الخارج تجاوز المعارضة السياسية المشروعة، وتحول إلى استهداف لمؤسسات الدولة واستقرارها.
وهكذا أصبح المرزوقي عنوانا لصراع سياسي مستمر: المرزوقي وأنصاره يرون أن المسألة تتعلق بالدفاع عن الديمقراطية والحريات، بينما ترى السلطة وأنصارها أن الرجل يساهم في ضرب صورة الدولة والتحريض عليها من الخارج.
توقيت شديد الحساسية
وتزداد حساسية عودة المرزوقي إلى الواجهة بسبب توقيت ظهوره الإعلامي.
فتونس تعيش منذ أسابيع على وقع أزمة كهرباء ومياه وضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، بينما تحدث قيس سعيّد عن وجود أطراف تسعى إلى استغلال الأزمات لضرب استقرار البلاد.
ومن هنا تحاول القراءة التي قدمتها «الخبر» الربط بين التطورات المختلفة ووضعها في سياق واحد: خطاب رئاسي يتحدث عن مخططات تستهدف الدولة، ومعارضة موجودة في الخارج تصعد من لهجتها، ووسائل إعلام أجنبية تمنح مساحة لهذه الأصوات، فضلا عن اقتراب ذكرى 25 جويلية بما تحمله من شحنة سياسية ورمزية كبيرة.
لكن الربط بين هذه العناصر لا يعني بالضرورة وجود تنسيق أو علاقة مباشرة بينها، وهو ما يبقى بحاجة إلى أدلة مستقلة حتى يتحول من قراءة سياسية إلى واقعة مثبتة.
القضاء يلاحق الرئيس الأسبق
ويأتي هذا السجال أيضا في ظل الملفات القضائية التي تلاحق المرزوقي في تونس، والتي أصبحت جزءا من الصراع السياسي بينه وبين السلطة الحالية.
وتقول السلطات التونسية إن الأحكام والإجراءات القضائية المتعلقة به تدخل في إطار تطبيق القانون، بينما يعتبر المرزوقي ومعارضوه أن الملاحقات ذات خلفية سياسية.
وبذلك، فإن المعركة حول الرجل لم تعد محصورة في ما يقوله أو يفعله سياسيا، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بسؤال أوسع: هل يمكن لشخصية سياسية تونسية موجودة في الخارج أن تستمر في ممارسة تأثير سياسي وإعلامي داخل البلاد رغم القضايا والأحكام الصادرة في حقها؟
الجزائر تدخل على الخط
لكن اللافت في هذه القضية أن الانتقاد الأقوى هذه المرة لم يأت فقط من السلطة التونسية أو من خصوم المرزوقي في الداخل، وإنما جاء أيضا من صحيفة جزائرية اختارت أن تضعه في سياق إقليمي أوسع.
وهنا تبرز خلفية أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي موقف المرزوقي من قضية الصحراء المغربية، الذي شكّل خلال السنوات الماضية نقطة خلاف واضحة بينه وبين الموقف الجزائري.
فالمرزوقي لم يخفِ دعمه لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب، وسبق أن أكد في تصريحات ومواقف مختلفة أن حل قضية الصحراء يجب أن يتم في إطار مغاربي يفضي إلى التقارب بين دول المنطقة. وفي نوفمبر 2025، دعا الجزائر صراحة إلى مراجعة موقفها من القضية والاستجابة لدعوة العاهل المغربي محمد السادس إلى الحوار.
كما سبق له، منذ سنوات، أن عبّر عن رفضه للرؤية الجزائرية للملف، ودافع عن مقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو موقف كرره في أكثر من مناسبة.
ومن هنا، قد يكون من المفيد قراءة الهجوم الإعلامي الجزائري على المرزوقي في ضوء هذه الخلفية أيضا.
فالرئيس التونسي الأسبق لم يكن مجرد شخصية سياسية تونسية انتقدت الجزائر في ملف عابر، بل اتخذ منذ سنوات مواقف مؤيدة لوجهة النظر المغربية في قضية الصحراء، ودافع عن الحكم الذاتي باعتباره مدخلا للحل، وانتقد في مناسبات عديدة الموقف الجزائري من القضية.
ولذلك فإن استحضار المرزوقي اليوم في الإعلام الجزائري لا ينفصل، على الأرجح، عن سجل طويل من المواقف والخلافات التي تتجاوز الشأن التونسي الداخلي إلى التوازنات المغاربية.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه قضية المرزوقي ليس فقط حجم الصراع السياسي داخل تونس، وإنما أيضا كيف أصبحت الساحة التونسية جزءا من تجاذبات مغاربية وإقليمية أوسع، تتقاطع فيها قضايا الديمقراطية والسيادة والعلاقات مع فرنسا والخلاف المغربي الجزائري، فيما يبقى السؤال الأهم مفتوحا: هل المرزوقي مجرد معارض تونسي يتحدث من الخارج، أم أن خصومه محقون في اعتباره جزءا من لعبة إقليمية أكبر؟
