بينما تنشغل الصالونات السياسية في تونس بملفات القروض الخارجية الشائكة وإعادة رسم التحالفات الدولية، يدور في الخفاء سباق من نوع آخر، ساحته هذه المرة الغابات المنسية والمدن المدفونة تحت الأرض.
في خطوتين متزامنتين، دخلت الصين والولايات المتحدة الأمريكية على خط التنقيب الأثري رفيع المستوى في البلاد، عبر مشاريع ميدانية كبرى نالت نصيب الأسد من التغطية في بكين وواشنطن، في حين ساد حولها الصمت التام داخل المشهد الإعلامي التونسي.
« بكين » تبني « طريق الحرير الثقافي » من غابات بن عروس
في سابقة هي الأولى من نوعها، أعلنت الهيئة الوطنية للتراث الثقافي في الصين نجاح مشروعها الأثري المشترك الأول في شمال إفريقيا، والذي استهدف بدقة المواقع المخفية داخل غابات ولاية بن عروس.
البعثة الصينية أسفرت عن كشف استثنائي لطبقات تاريخية متلاحقة، تمتد من العهد البونيقي القرطاجي وصولاً إلى العصر الروماني. ولا تنظر بكين إلى هذا الإنجاز بوصفه نجاحاً علمياً مجرداً؛ بل توظفه الأكاديميات الصينية كجزء من استراتيجية « طريق الحرير الثقافي ». تسعى الصين من خلال هذه الحفريات إلى إثبات وجود قنوات تواصل وحوار حضاري قديم يربط شرق آسيا بحوض البحر الأبيض المتوسط، مما يمنح تمددها الاقتصادي المعاصر في المنطقة جذوراً تاريخية تدعمه.
وقال يو في، الباحث المشارك في مركز البحوث الأثرية التابع للهيئة الصينية، إن هذا الاكتشاف يساعد على تحسين التسلسل الزمني الأثري للمرحلة الانتقالية من الحضارة القرطاجية إلى الفترة الرومانية، بما يتيح فهماً أدق للتحولات التي شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة التاريخية.
ووفقاً للهيئة الصينية، أُنجز في الموقع مشروع للتنقيب الأثري وعرض المكتشفات، كما أُقيمت حديقة تراثية حضرية صغيرة، أصبحت معلماً ثقافياً يساهم في تعزيز التبادل الثقافي والتواصل بين الشعبين الصيني والتونسي، ويدعم التفاهم المتبادل بينهما.

« واشنطن » ترد بالمسح الفضائي من جبال القصرين وسبيطلة
على الجانب الآخر من المحيط، ولموازنة هذا التحرك الآسيوي، أبرم مختبر القياسات الأثرية الفضائية بجامعة « دارتموث » الأمريكية العريقة اتفاقية بحثية ميدانية تمتد لثلاث سنوات، ضلت تفاصيلها غائبة عن الرادار المحلي.
الفرق الأمريكية تستعد لبدء نزولها الميداني بحلول شهر ديسمبر المقبل، مستهدفة الحقول الأثرية في سبيطلة والمناطق الجبلية التابعة لولاية القصرين. وتعتمد الخطة الأمريكية على تقنيات الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية، وإرسال نبضات ضوئية تخترق الغطاء النباتي والكثبان الرملية الكثيفة لرسم خرائط طبوغرافية دقيقة. الهدف هو توثيق شبكة كاملة من المستوطنات والمنشآت المائية الرومانية المنسية التي لم تسجل في أي أرشيف تاريخي سابق، وربطها بالدراسات الأنثروبولوجية الأوسع التي تجريها المعاهد الأمريكية حول تاريخ الاستيطان في المغرب العربي.

صراع على « صناعة التاريخ »
يؤكد هذا التباين في المنهجيات والوجهات (الصين في غابات بن عروس القريبة من مركز القرار، وأمريكا في عمق السباسب الغربية) أن تونس باتت جبهة مفتوحة لـ « دبلوماسية الآثار ». فبينما تبحث الصين عن روابط تجارية قديمة تخدم سرديتها السياسية، تركز الولايات المتحدة على امتلاك الريادة المعرفية وتوثيق الخرائط الحساسة.
بين هذا وذاك، يطرح غياب هذه المعطيات عن المواطن التونسي تساؤلاً مشروغاً: لماذا تملك المعاهد في بكين ونيوهامبشير الحق في إعلان أسرار الثروات التاريخية التونسية، بينما تكتفي الدوائر المحلية بالصمت؟