الرئيسية آخر الأخبار على وقع مأساة المروج: حين ينقلب عقل الإنسان على غريزة الحماية

على وقع مأساة المروج: حين ينقلب عقل الإنسان على غريزة الحماية

0
5
blank

هناك جرائم تترك وراءها أكثر من الضحايا. تترك سؤالًا يكاد يكون مستحيلًا على العقل أن يستوعبه: كيف يمكن لإنسان أن يؤذي أطفاله، وهم أكثر من يفترض أن يحميهم؟حادثة المروج التي هزّت الرأي العام اليوم ليست مجرد خبر عن جريمة مروعة. إنها واحدة من تلك الوقائع التي تترك وراءها سؤالًا يصعب على العقل أن يجد له جوابًا: كيف يمكن لأب أن يصل إلى اللحظة التي يؤذي فيها طفليه، بدل أن يحميهما؟

السؤال يصبح أكثر قسوة عندما يكون الفاعل أبًا. فالأبوة، في الوعي الإنساني، مرتبطة بالحماية والرعاية والدفاع عن الصغار. ولذلك تبدو الجريمة، للوهلة الأولى، وكأنها انقلاب كامل على أبسط قواعد الطبيعة.

لكن علم النفس لا ينظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا تحكمه غريزة واحدة ثابتة. ففي ظروف الانهيار النفسي الشديد، يمكن أن تتغير طريقة إدراك الواقع واتخاذ القرارات بصورة جذرية.

عندما لا يعود العقل يرى العالم كما نراه نحن

في بعض الاضطرابات النفسية الحادة، أو حالات الذهان، أو الانهيار العقلي الشديد، قد يفقد الشخص مؤقتًا القدرة الطبيعية على تفسير ما يحدث حوله. الأفكار التي تبدو للآخرين غير منطقية قد تصبح بالنسبة إليه حقيقة لا تقبل النقاش.

وقد يترافق ذلك مع اضطراب في الحكم على الأمور، أو فقدان القدرة على تقدير العواقب، أو شعور طاغٍ بالخوف والتهديد واليأس.

وهنا تكمن إحدى أصعب النقاط في فهم هذه الجرائم: ما يبدو من الخارج قرارًا واعيًا ومدروسًا قد لا يكون كذلك من الداخل.

لكن هذا لا يعني أن كل شخص يعاني مرضًا نفسيًا يمكن أن يصبح خطرًا على أطفاله. العكس هو الصحيح: الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، ولا يجوز تحويل المرض النفسي إلى تفسير جاهز لكل جريمة.

هل تختفي غريزة الأبوة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إيلامًا.

في الحقيقة، لا يمكن القول إن غريزة الأبوة «اختفت» ببساطة. فالإنسان ليس آلة تعمل وفق برنامج واحد. تحت الضغط الشديد، يمكن للمرض أو الاضطراب العقلي أن يشوّه الإدراك نفسه، بحيث تصبح الأولويات والمخاطر والقرارات مختلفة بصورة يصعب على الشخص السليم تصورها.

قد يعتقد شخص في حالة ذهانية، مثلًا، أن خطرًا كارثيًا يحيق به أو بأطفاله، أو أن تصرفًا مؤذيًا هو، في تصوره المشوش، وسيلة لإنقاذهم. هذا لا يجعل الفعل إنقاذًا، ولا يجعله مقبولًا، وإنما يوضح كيف يمكن للواقع النفسي للشخص أن ينفصل بصورة خطيرة عن الواقع الذي يراه الآخرون.

ولهذا لا يستطيع المجتمع معرفة ما حدث داخل عقل المتهم من خلال الجريمة وحدها. الأمر يحتاج إلى تحقيق وإلى تقييم نفسي وطبّي متخصص.

المرض ليس عذرًا جاهزًا

من المهم هنا ألا نقع في خطأين متناقضين.

الخطأ الأول هو القول: «إنه مريض، إذن لا مسؤولية عليه».

والخطأ الثاني هو القول: «من فعل ذلك لا يمكن إلا أن يكون شريرًا أو بلا مشاعر».

الحقيقة أكثر تعقيدًا.

المسؤولية الجنائية مسألة يحددها القضاء وفق القانون، والحالة العقلية للمتهم يمكن أن تكون موضوع خبرة طبية وقضائية. أما بالنسبة للمجتمع، فإن معرفة الأسباب المحتملة لا تعني إطلاقًا التسامح مع الجريمة.

أن نفهم كيف حدث الشيء لا يعني أن نقبله.

بل إن فهمه قد يكون ضروريًا لمنع تكراره.

السؤال الذي يجب أن يسبق الكارثة

بعد كل مأساة من هذا النوع، ينشغل الناس بالسؤال: لماذا فعلها؟

لكن ربما يجب أن نسأل أيضًا: هل كانت هناك إشارات لم ينتبه إليها أحد؟

هل كان الشخص يعيش عزلة شديدة؟
هل ظهرت عليه تغيرات سلوكية مفاجئة؟
هل كان يتحدث بطريقة غير معتادة عن الموت أو الخطر أو المؤامرات؟
هل أصبح غير قادر على النوم أو العمل أو رعاية نفسه وأطفاله؟
هل لاحظ أفراد العائلة أو الجيران أو المحيطون به تغيرًا حادًا ولم يعرفوا كيف يتعاملون معه؟

هذه الأسئلة ليست لتبرير الجريمة، وإنما للبحث عن اللحظة التي كان يمكن فيها التدخل قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة.

حماية الأطفال تبدأ أحيانًا بحماية الوالد نفسه

من أكثر الأفكار التي يصعب على المجتمع تقبلها أن حماية الطفل قد تبدأ أحيانًا من الانتباه إلى انهيار الشخص الذي يتولى رعايته.

الأب أو الأم اللذان يمران بأزمة نفسية حادة لا يحتاجان إلى الإدانة وحدها، بل إلى تدخل الأسرة والمحيط والاختصاصيين والجهات الصحية عندما تكون هناك مؤشرات خطر.

وفي الحالات التي يظهر فيها خطر مباشر على طفل، فإن الأولوية ليست لمعرفة «من المخطئ؟» بل لإبعاد الطفل عن الخطر وطلب تدخل المختصين فورًا.

فالثواني التي تسبق الكارثة قد تكون أهم بكثير من الساعات التي تأتي بعدها.

بين الغريزة والعقل والمرض

نحن نميل إلى الاعتقاد بأن حب الأب لأطفاله قوة لا يمكن أن تنكسر. وربما يكون ذلك صحيحًا في الظروف الطبيعية. لكن الإنسان، في نهاية المطاف، ليس مجرد غريزة.

إنه عقل وذاكرة ومشاعر ومرض وخوف وضغوط وتجارب، وكلها يمكن أن تتفاعل بطريقة معقدة.

وعندما يصل الإنسان إلى حالة انهيار نفسي أو عقلي قصوى، فقد لا يكون السؤال فقط: «لماذا لم تحمه غريزة الأبوة؟»

بل ربما السؤال الأعمق هو:

«ماذا حدث لعقله حتى أصبح يرى العالم بطريقة جعلته قادرًا على ارتكاب ما كان، في ظروفه الطبيعية، يستحيل عليه تصوره؟»

هذا السؤال لا يمحو الجريمة، ولا يعيد طفلًا إلى الحياة، ولا يخفف ألم طفل آخر يصارع من أجل البقاء.

لكنه قد يساعدنا على فهم شيء مهم: بعض المآسي لا تبدأ لحظة وقوع الجريمة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، في صمت، عندما ينهار إنسان من الداخل ولا ينتبه أحد إلى أن شيئًا خطيرًا يحدث في عقله.

ولهذا، فإن مسؤولية المجتمع لا ينبغي أن تقتصر على محاسبة من ارتكب الجريمة بعد وقوعها، بل تمتد أيضًا إلى تعلم اكتشاف الانهيار قبل أن يتحول إلى كارثة، وحماية الأطفال عندما يصبح الشخص المسؤول عنهم غير قادر على حماية نفسه أو غيره.

فالجريمة تحتاج إلى عدالة، نعم.

لكن الوقاية تحتاج إلى فهم.