ليس كل يوم تكتشف تونس فرصة جديدة في قطاع الفسفاط، خصوصاً بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التراجع الحاد في الإنتاج واضطراب نشاط الحوض المنجمي. لكن المعطيات التقنية والاقتصادية المتداولة حول مشروع شركة فوسكو ليميتد الأسترالية بمنطقة القصعات في القصرين تضع المشروع أمام معادلة مختلفة: مورد جيولوجي مهم، قابل للاستغلال السطحي، وسوق يمكن أن يمنح المشروع قدرة على تحقيق مداخيل بمئات ملايين الدولارات سنوياً.
المعطيات المتوفرة تشير إلى قاعدة موارد مؤكدة من الفسفاط الرسوبي في حدود 146.4 مليون طن، مع مؤشرات على إمكانية توسيع قاعدة الموارد عبر مواصلة الاستكشاف ضمن نطاق التنقيب المعروف باسم دي أو هاش.
وهذه الأرقام، في حد ذاتها، لا تعني أن تونس أصبحت أمام منجم جاهز للإنتاج، لكنها تكشف عن أساس جيولوجي وتقني يمكن أن يشكل قاعدة لمشروع منجمي كبير إذا انتقل إلى مراحل التطوير والاستغلال وفق الدراسات والتراخيص والاستثمارات المطلوبة.
مكمن مختلف عن سراورتان
أحد أهم عناصر المشروع يتعلق بطبيعة المكمن نفسه.
فالمعطيات التقنية تشير إلى أن الرواسب تتميز بسمك طبقي يصل إلى نحو 13 متراً وامتداد طولي في حدود 1300 متر، بما يعكس استمرارية رسوبية بحرية تبدو مستقرة، وترتبط جيولوجياً بالمكامن الموجودة حول جزيرة القصرين.
وهنا تبرز نقطة مهمة بالنسبة إلى القارئ التونسي: طبيعة هذا المكمن تبدو أقرب إلى خصائص مكامن الحوض المنجمي بقفصة ومكمن المكناسي، وليس إلى طبيعة مكمن سراورتان، وهو ما يجعل المقارنة بين مختلف مكامن الفسفاط في القصرين أمراً يحتاج إلى تدقيق جيولوجي وتقني، لا إلى وضعها جميعاً في سلة واحدة.
وتكمن أهمية ذلك في أن طبيعة الطبقات واستمراريتها تؤثر مباشرة في طريقة الاستخراج وكلفته وإمكانية التحكم في العمليات المنجمية.
20.6% من خامس أكسيد الفوسفور.. ماذا يعني ذلك؟
على مستوى الجودة، تشير المعطيات المتداولة إلى متوسط تركيز في حدود 20.6% من خامس أكسيد الفوسفور (بي 205)، مع نطاق يتراوح تقريباً بين 10% و28%.
وهنا يجب التمييز بدقة بين الخام المستخرج من المنجم وبين مركز الفسفاط بعد المعالجة. نسبة 20.6% تخص الخام وفق المعطيات المتداولة، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها نسبة تركيز نهائية لمادة معالجة.
ومع ذلك، فإن هذه الدرجة تجعل الخام قابلاً للدخول في مسار المعالجة والتثمين، خصوصاً في ظل وجود تجارب دولية لمكامن ذات درجات مماثلة أو أعلى بعد عمليات التركيز والمعالجة.
الأهم أن جودة الخام ليست وحدها التي تحدد الجدوى الاقتصادية. فالكلفة الحقيقية للاستخراج والنقل والمعالجة والمياه والطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى أسعار الفسفاط ومشتقاته في الأسواق العالمية، هي التي ستحدد في النهاية مدى تنافسية المشروع.
منجم مكشوف.. وهنا تكمن إحدى نقاط القوة
المعطيات المتوفرة تشير كذلك إلى أن البنية الطبقية للمكمن يمكن أن تسمح باعتماد الاستغلال المنجمي السطحي .
وهذا عنصر بالغ الأهمية اقتصادياً، لأن التعدين المكشوف يمكن، في الظروف الملائمة، من تبسيط عمليات الاستخراج وتقليل بعض كلف التشغيل مقارنة بمكامن تتطلب تقنيات أكثر تعقيداً.
كما أن انتظام الطبقات واستمراريتها يرفع، من الناحية النظرية، مستوى القدرة على التخطيط والتنبؤ بالإنتاج، وهي خصائص تجعل المشروع أقرب في بعض جوانبه إلى نمط الاستغلال المعروف في مكامن الحوض المنجمي بقفصة.
لكن ذلك يبقى رهين نتائج الدراسات الهندسية التفصيلية، ولا يمكن تحويل الإمكانية التقنية إلى نتيجة استثمارية نهائية قبل استكمال الدراسات المتعلقة بالهندسة والتعدين والبيئة والمياه والنقل والطاقة.
300 إلى 450 مليون دولار سنوياً.. الرقم الذي يلفت الانتباه
اقتصادياً، تصبح الصورة أكثر إثارة.
فوفق التقديرات المبنية على المعطيات السوقية الراهنة، يمكن لمشروع يصل إلى إنتاج يتراوح بين مليوني وثلاثة ملايين طن سنوياً أن يحقق رقم معاملات تقديرياً في حدود 300 إلى 450 مليون دولار سنوياً.
وتشير التصورات المطروحة إلى إمكانية بلوغ هذا المستوى من الإنتاج تدريجياً، وفي أفق قد يصل إلى نحو خمس سنوات في إطار توسع المشروع.
لكن رقم المعاملات ليس أرباحاً صافية، وهذه نقطة ضرورية حتى لا تتحول الأرقام إلى دعاية استثمارية. فالنتيجة المالية الفعلية ستتوقف على أسعار البيع العالمية، وكلفة الاستخراج، وكلفة النقل، والطاقة، والمعالجة، والبنية التحتية، والضرائب، والاستثمارات الأولية، إضافة إلى شروط التمويل.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى إنتاج سنوي في حدود 2 إلى 3 ملايين طن يعني أن المشروع، في حال تجسيده وفق هذه الفرضيات، لن يكون مجرد نشاط منجمي محدود، بل يمكن أن يصبح لاعباً مهماً في قطاع الفسفاط التونسي.
القصرين قد تعيد فتح ملف الفسفاط التونسي
الأهمية الحقيقية للمشروع تتجاوز حدود الشركة الأسترالية والمنطقة التي سيقام فيها.
فتونس تملك تاريخاً طويلاً مع الفسفاط، لكنها دفعت خلال السنوات الماضية ثمناً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً نتيجة تراجع الإنتاج وتعطل عدد من المشاريع وتراكم الإشكالات اللوجستية والبيئية والاجتماعية.
ومن هذه الزاوية، يمكن لمشروع القصعات أن يمثل فرصة لإعادة تنشيط قطاع الفسفاط خارج النموذج التقليدي، وفتح منطقة جديدة أمام الاستثمار المنجمي، وخلق نشاط اقتصادي وصناعي في القصرين.
لكن نجاح المشروع في استخراج ملايين الأطنان من الخام لا يجب أن يكون الهدف الوحيد.
الخطر الأكبر: أن تتحول القصعات إلى «جيب منجمي»
هنا تحديداً تبدأ الأسئلة الاستراتيجية.
فكون المشروع ممولاً ومداراً من طرف أجنبي، مع توجيه الإنتاج أساساً نحو الأسواق الخارجية، يطرح احتمالاً يجب على الدولة التونسية أن تتعامل معه منذ البداية: كيف تضمن بقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل تونس؟
الخطر ليس في الاستثمار الأجنبي في حد ذاته، بل في أن يتحول المشروع إلى نموذج يقوم على استخراج الخام ثم تصديره، بينما تنتقل معظم القيمة الاقتصادية المرتبطة بالمعالجة والتحويل إلى الخارج.
وهذا هو ما يمكن وصفه بـ**«نموذج الجيب المنجمي»**: موقع استخراج نشط ومربح، لكنه يبقى منفصلاً نسبياً عن بقية الاقتصاد الوطني، مع محدودية اندماجه في الصناعة المحلية.
وفي هذه الحالة، قد تحصل تونس على عائدات وحقوق وضرائب وفرص عمل، لكن الجزء الأكبر من سلسلة القيمة سيبقى خارج البلاد.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد استخراج الفسفاط
إذا كانت تونس تريد أن تجعل من مشروع القصعات مشروعاً وطنياً ذا أثر اقتصادي طويل الأمد، فإن الرهان لا ينبغي أن يتوقف عند المنجم.
الهدف يجب أن يكون بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من استخراج الخام، مروراً بالتركيز والمعالجة، وصولاً إلى الصناعات الكيميائية ومشتقات الفسفاط، مثل حمض الفوسفوريك والأسمدة.
وهنا يمكن أن تتحول ملايين الأطنان المستخرجة من مورد طبيعي إلى قاعدة صناعية تخلق قيمة مضافة أكبر بكثير من مجرد تصدير الخام.
وهذا يتطلب من الدولة أن تحدد، منذ مرحلة التفاوض والتعاقد، الإطار الجبائي والتنظيمي، وشروط الاستثمار، ونسب الإدماج المحلي، والبنية التحتية التي ستتحملها الدولة أو المستثمر، إضافة إلى قواعد واضحة بشأن التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات التونسية.
فرصة كبيرة.. لكن القرار تونسي قبل أن يكون أسترالياً
المشروع الأسترالي في القصعات يقدم، وفق المعطيات التقنية المتاحة، قاعدة جيولوجية واعدة جداً: موارد تقدر بنحو 146.4 مليون طن، خام بمتوسط 20.6% من P2O5، مكمن قابل مبدئياً للاستغلال السطحي، وإمكانية بلوغ إنتاج يتراوح بين 2 و3 ملايين طن سنوياً وفق التصورات الاستثمارية.
لكن كل هذه الأرقام لا تكفي وحدها.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة تونس على تحويل المشروع من منجم ينتج ويصدر إلى منظومة اقتصادية وصناعية تنتج وتحوّل وتصدّر منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
لقد عرفت تونس في تاريخها تجارب منجمية عديدة انتهى بعضها إلى استخراج الموارد دون بناء أثر تنموي وصناعي يتناسب مع قيمة الثروة المستخرجة، وهو ما يجعل تجربة القصعات فرصة لتجنب تكرار النموذج نفسه.
المشروع جيد جداً من الناحية التقنية وفق المعطيات المتاحة، وقد يكون مهماً اقتصادياً، لكن قيمته الحقيقية بالنسبة إلى تونس لن تقاس بعدد الأطنان التي ستخرج من الأرض، بل بحجم القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد التونسي.
وفي النهاية، فإن ملف القصعات ليس مجرد مشروع فسفاط جديد في القصرين؛ إنه اختبار لسياسة تونس في التعامل مع الثروات الطبيعية: هل نكتفي ببيع ما تحت الأرض، أم نبني حوله صناعة كاملة؟
