الرئيسية آخر الأخبار فوضى « الكاش » تتسع واحتياطي العملة ينزل تحت الـ100 يوم

فوضى « الكاش » تتسع واحتياطي العملة ينزل تحت الـ100 يوم

0
4
blank

أظهرت البيانات الأحدث الصادرة عن البنك المركزي التونسي، والمتعلقة بالوضعية المالية بتاريخ 11 أوت 2026، قفزة تاريخية جديدة في حجم النقد المتداول بالأسواق حيث بلغت الكتلة النقدية الورقية والمعدنية 29,902 مليون دينار، لتستقر عند حافة الـ30 مليار دينار لأول مرة في تاريخ البلاد.

ويثير هذا الارتفاع المستمر تساؤلات جوهرية بين الأوساط الاقتصادية والمواطنين حول مدى « طبيعية » هذا الرقم، وتداعياته المباشرة على الاستقرار النقدي ونسب التضخم.

ذروة موسمية وضغوط هيكلية

يؤكد خبراء اقتصاد أن بلوغ هذا المستوى القياسي في منتصف شهر أغسطس يعد أمرًا « متوقعًا من الناحية الموسيمية »، ولكنه « مقلق من الناحية الهيكلية ». فمن جهة، يتزامن هذا التوقيت مع ذروة الموسم السياحي، وعودة التونسيين بالخارج، واقتراب العودة المدرسية؛ وهي فترات يرتفع فيها الطلب على السيولة النقدية (الكاش) بشكل حاد لتغطية النفقات اليومية ومصاريف العطل.

أما من الجانب الهيكلي، فإن استمرار نمو الكتلة النقدية خارج القنوات المصرفية الرسمية يعكس رسوخ « اقتصاد الكاش » وتوسع الأنشطة الموازية، فضلاً عن ضعف الشمول المالي الرقمي وعزوف شريحة من الفاعلين الاقتصاديين عن إيداع أموالهم في البنوك لأسباب تتعلق بالتهرب الجبائي أو ضعف الثقة في المنظومة البنكية.

شح السيولة المصرفية وحلول المركزي

هذا الهروب المستمر للأموال من البنوك نحو « الجيوب والبيوت » يترجمه مؤشر آخر بارز في حصيلة البنك المركزي، وهو حجم إعادة التمويل الإجمالي الذي استقر عند 10,321 مليون دينار.

ويعني هذا الرقم أن البنك المركزي مجبر على ضخ أكثر من 10 مليارات دينار في الشرايين البنكية لمساعدة المصارف التجارية على تعويض نقص السيولة لديها، وتلبية طلبات سحب الحرفاء وتمويل الاقتصاد، وهو ما يضع ضغطاً مستمراً على السياسة النقدية للبلاد.

صمام أمان في حساب الخزينة

في المقابل، حملت المؤشرات نقطة مضيئة تمثلت في استقرار الحساب الجاري للخزينة عند مستوى مريح نسبيًا بلغ 1,930 مليون دينار. وتمنح هذه السيولة الدولة هامش مناورة مالي لتغطية نفقاتها السيادية العاجلة، مثل أجور القطاع العام وخدمة الديون قصيرة الأجل، دون الحاجة للجوء الفوري للتمويل المباشر من البنك المركزي (طباعة العملة)، مما يخفف جزئياً من حدة الضغوط التضخمية.

المربع الصعب: احتياطي العملة ينزل تحت الـ100 يوم

بالتوازي مع تصاعد السيولة بالدينار، تظهر بيانات الاحتياطي النقدي ضغطًا مغايرًا؛ حيث بلغت الموجودات الصافية من العملة الأجنبية 25,409 مليون دينار، ما يعادل 99 يوم توريد.

ويعد النزول تحت عتبة الـ100 يوم الرمزية مؤشراً يحتاج إلى متابعة دقيقة، حيث أن وفرة الدينار محلياً مقابل تراجع المعروض من العملة الصعبة يشكل معادلة صعبة قد تزيد من الضغوط على سعر صرف الدينار وتساهم في غلاء المواد الاستهلاكية المستوردة.

القراءة الختامية

إن اقتراب الأوراق المالية المتداولة من 30 مليار دينار ليس مؤشراً على انهيار مفاجئ، بل هو نتاج طبيعي لنسق التضخم المتراكم ونمو الاقتصاد غير الرسمي طيلة السنوات الماضية. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تضع السلطات النقدية أمام حتمية تسريع خطط « الرقمنة الشاملة » للمعاملات المليئة، وإعادة جذب الأموال الموازية إلى القطاع المنظم لحماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان استقرار الدينار التونسي.