يثير القاضي محمد العيادي، العضو السابق والبارز في اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، إشكالاً قانونياً يعتبره محورياً في ملف التحكيم والمصالحة ضمن مسار العدالة الانتقالية، متسائلاً عن الكيفية التي اختارت بها الدولة التونسية الانخراط في هذا المسار، وما إذا كانت قد استنفدت فعلاً الخيارات التي كان يتيحها لها الإطار القانوني.
ويرى العيادي أن قرار مجلس هيئة الحقيقة والكرامة عدد 3 لسنة 2015 المؤرخ في 13 جويلية 2015، المتعلق بالمصادقة على دليل إجراءات التحكيم والمصالحة، كان واضحاً في منح الدولة خيارين عند إبرام اتفاقية التحكيم والمصالحة.
ويتمثل الخيار الأول، وفق تفسيره، في اختيار لجنة التحكيم والمصالحة بصفتها محكّماً، وهو ما يجعل قرارها ملزماً للطرفين حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن قيمة التعويضات.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في اختيار اللجنة بصفتها مُصالحاً فقط، وفي هذه الحالة لا تمتلك اللجنة أي سلطة لفرض تعويضات من جانب واحد، بل يقتصر دورها على محاولة تقريب وجهات النظر، وإذا تعذر التوصل إلى اتفاق فإنها تكتفي بحفظ الملف دون إصدار قرار تحكيمي ملزم.
ويؤكد العيادي أن هذا الاختيار كان يجب أن يُضمَّن صراحة في اتفاقية التحكيم والمصالحة المبرمة قبل تعهد اللجنة بالنظر في الملف، وفق ما ينص عليه الفصل 12 من دليل الإجراءات.
وانطلاقاً من ذلك، يطرح القاضي جملة من التساؤلات، أبرزها: كيف اختارت أجهزة الدولة المسار الذي يمنح لجنة التحكيم والمصالحة سلطة إصدار قرارات ملزمة، في حين كان بإمكانها الاكتفاء بمنحها دور المصالح فقط، بما كان من شأنه، وفق رأيه، تجنب الإشكالات القانونية والقضائية التي برزت لاحقاً؟
كما يتساءل عن مدى وجاهة الحديث عن إلحاق ضرر بمصالح الدولة، في الوقت الذي يرى فيه أن الدولة نفسها هي التي اختارت، بإرادتها، الصيغة القانونية التي أفضت إلى تلك النتائج، رغم أن القرار عدد 3 لسنة 2015 كان يتيح لها خيارات أخرى وصفها بـ »الآمنة والحكيمة ».
وفي سياق النقاش، ردّ العيادي على تعليق اعتبر أن قانون العدالة الانتقالية لا يجيز التحكيم إلا في ملفات الانتهاكات، بينما تقتصر المصالحة على قضايا الفساد المالي، مؤكداً أن التحكيم والمصالحة متاحان في كل من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الفساد المالي على السواء، مع وجود اختلاف في الآثار القانونية؛ إذ إن المصالحة في قضايا الانتهاكات الجسيمة لا تحول دون إحالة الملف إلى الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية.
ويستند العيادي في قراءته إلى الفصل 12 من دليل إجراءات التحكيم والمصالحة، الذي ينص على أن اتفاقية التحكيم والمصالحة تحدد نطاق مهمة لجنة التحكيم والمصالحة وصلاحياتها، وكذلك إلى الفصل 25 الذي ينص على أنه إذا اتفق الأطراف على منح اللجنة دور المصالحة فقط، فإنها تختم الإجراءات إذا رفض أحد الأطراف الحلول المقترحة، دون أن تكون لها سلطة تقريرية لفرض تسوية أو تحديد التعويضات.




