الرئيسية آخر الأخبار قنطرة رادس على خطى غولدن غيت؟

قنطرة رادس على خطى غولدن غيت؟

0
3
blank

عادت قنطرة رادس إلى واجهة الأحداث، مع تسجيل حادثة وفاة جديدة اليوم الثلاثاء 28 جويلية 2026، وفق ما أورده موقع «الشعب نيوز»، في واقعة أعادت إلى الأذهان حوادث مماثلة شهدها الجسر خلال السنوات الماضية.

وتكتسب الحادثة الجديدة دلالة خاصة بالنظر إلى تكرر الوقائع المماثلة في المكان نفسه، وهو ما يطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل كل حادثة على حدة: هل أصبحت قنطرة رادس في حاجة إلى مقاربة وقائية شبيهة بتلك التي اعتمدتها مدن في العالم أمام تكرار حالات الانتحار في جسورها؟

من رادس إلى سان فرانسيسكو

قد تبدو المقارنة للوهلة الأولى بعيدة بين قنطرة رادس في تونس وجسر غولدن غيت الشهير في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، لكن القاسم المشترك بينهما يتمثل في ارتباط الجسر، على مدى سنوات، بتكرر حالات الانتحار.

فجسر غولدن غيت ظل لعقود أحد أبرز المواقع التي شهدت حالات انتحار متكررة. وبحسب إدارة الجسر، بلغ المتوسط السنوي للحالات المؤكدة خلال السنوات العشرين التي سبقت استكمال الحاجز الوقائي نحو 30 حالة سنوياً.

لكن السلطات الأمريكية لم تكتف بتسجيل الأرقام أو التعامل مع كل حادثة باعتبارها واقعة منفردة، بل اتجهت إلى معالجة البيئة المادية للمكان نفسه.

وفي الأول من جانفي 2024، اكتمل تركيب حاجز وقائي ممتد على كامل طول جسر غولدن غيت، في إطار مشروع هدفه الحد من حالات الانتحار والسقوط. وتقول إدارة الجسر إن عدد حالات الانتحار انخفض في 2024 إلى 8 حالات، أي بتراجع نسبته 73 بالمائة مقارنة بالمتوسط السنوي السابق.

قنطرة رادس.. تكرار يطرح السؤال

في تونس، لا تتوفر إحصائيات رسمية منشورة تجمع كل الحالات التي شهدتها قنطرة رادس على امتداد السنوات، لكن الأرشيف الإعلامي يوثق عدداً من الوقائع.

ففي ماي 2022، تم العثور على جثة شاب في قنطرة رادس، بينما شهد جويلية من السنة نفسها وفاة شابة في حادثة أثارت تحقيقاً قضائياً للبحث في ملابسات الوفاة، ولم تكن فرضية الانتحار في البداية أمراً محسومًا، ما يؤكد ضرورة التمييز بين الوقائع المؤكدة والاستنتاجات الأولية.

وفي سبتمبر 2024، سجلت القنطرة حادثة وفاة أخرى، وفق ما نقلته وسائل إعلام تونسية عن الناطق الرسمي باسم الحماية المدنية آنذاك.

وتأتي حادثة اليوم، وفق ما نشره «الشعب نيوز»، لتعيد طرح المسألة مجدداً، لا باعتبارها مجرد حادثة معزولة، وإنما باعتبارها مناسبة للتساؤل عن الإجراءات التي يمكن أن تحول دون تكرار مثل هذه الوقائع.

هل تحتاج قنطرة رادس إلى «حاجز غولدن غيت»؟

التجربة الأمريكية لا تعني بالضرورة نقل نموذج غولدن غيت حرفياً إلى تونس، كما أن اختلاف طبيعة الجسرين وظروفهما يجعل المقارنة محدودة.

لكنها تقدم درساً واضحاً: عندما تتكرر حالات الانتحار في موقع واحد، يمكن أن تصبح الوقاية من المكان نفسه جزءاً من الحل.

ففي غولدن غيت، لم يكن الحاجز الوقائي إجراءً رمزياً، بل مشروعاً هندسياً ضخماً استغرق سنوات، وبلغت كلفته الإجمالية نحو 224 مليون دولار. وتؤكد إدارة الجسر أن الهدف منه هو منع القفز وتوفير فرصة للتدخل والإنقاذ.

ومن هنا، قد يكون السؤال المطروح في حالة قنطرة رادس مختلفاً عن سؤال «لماذا أقدم هؤلاء الأشخاص على الانتحار؟»، وهو سؤال معقد لا يمكن الإجابة عنه من خلال الأخبار وحدها.

السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا يمكن أن تفعل الدولة لمنع تكرار هذه الحوادث في المكان نفسه؟

من تسجيل الحوادث إلى منعها

تكرار الحوادث في موقع واحد يستحق دراسة هندسية وأمنية واجتماعية متخصصة، تشمل تقييم وسائل الحماية والمراقبة وإمكانيات التدخل السريع، إلى جانب تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

فالمطلوب ليس تحويل قنطرة رادس إلى نسخة تونسية من غولدن غيت، وإنما الاستفادة من تجربة أثبتت أن تغيير خصائص المكان نفسه يمكن أن ينقذ الأرواح.

وبين حادثة وأخرى، تظل قنطرة رادس منشأة حيوية تربط ضفتي العاصمة، لكن تكرر المآسي فيها يفرض سؤالاً على السلطات: هل آن الأوان للانتقال من توثيق الحوادث بعد وقوعها إلى الاستثمار في منعها قبل أن تقع؟