أثار تحفظ تونس على مشروع قرار أممي جديد يتعلق بتعزيز الإلزامية القانونية للالتزامات المناخية موجة واسعة من التساؤلات والنقاشات، خاصة في ظل تصاعد التحديات البيئية التي تواجهها البلاد، من ارتفاع درجات الحرارة إلى شح الموارد المائية وتآكل السواحل.
وفي هذا السياق، تساءل الخبير البيئي التونسي حمدي حشاد عن خلفيات الموقف التونسي الذي اختار التحفظ وعدم التصويت لصالح القرار، رغم أن تونس تعد من أكثر الدول المتوسطية عرضة لتداعيات التغيرات المناخية.
ويرى حشاد أن الموقف التونسي لا يمكن قراءته باعتباره رفضا للجهود المناخية الدولية، بقدر ما يعكس حذرا سياديا واقتصاديا مرتبطا بالوضع الداخلي المعقد الذي تمر به البلاد، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والمالية العمومية.
ويهدف القرار الأممي الجديد، وفق المعطيات المتداولة، إلى منح التزامات اتفاق باريس للمناخ طابعا أقرب إلى الإلزام القانوني الدولي، بما قد يفتح مستقبلا المجال أمام آليات ضغط أو مساءلة بحق الدول التي لا تحترم أهداف خفض الانبعاثات أو التحول الطاقي.
ويبدو أن التحفظ التونسي ارتبط بعدة نقاط حساسة، أبرزها الدعوات المتزايدة للتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، وتقليص دعم الطاقة التقليدية، إضافة إلى التسريع في الانتقال الطاقي قبل سنة 2030، والالتزام الصارم بهدف الحد من ارتفاع حرارة الأرض في حدود 1.5 درجة مئوية.
ويؤكد مراقبون أن هذه الالتزامات تمثل تحديا كبيرا بالنسبة لتونس، التي تواجه أزمة طاقة متفاقمة وعجزا ماليا متواصلا، إلى جانب تبعية متزايدة لتوريد الغاز والطاقة من الخارج، ما يجعل أي التزام قانوني صارم في المجال المناخي قابلا لإنتاج ضغوط اقتصادية واجتماعية إضافية.
كما يبرز في خلفية الموقف التونسي بعد سياسي ودبلوماسي يرتبط بخطاب رسمي بات يركز خلال السنوات الأخيرة على مفاهيم السيادة الوطنية ورفض ما تعتبره تونس “انتقائية” في تطبيق القانون الدولي، إضافة إلى المطالبة بعدالة مناخية تنصف الدول النامية التي لم تكن تاريخيا مسؤولة عن النسبة الأكبر من الانبعاثات العالمية.
وفي هذا الإطار، يرى حمدي حشاد أن التحفظ التونسي يمكن فهمه كمحاولة للحفاظ على هامش القرار الاقتصادي والسيادي، وتفادي الانخراط في التزامات دولية قد تتحول مستقبلا إلى أدوات ضغط على الدول ذات الاقتصادات الهشة، خاصة في غياب ضمانات واضحة تتعلق بالتمويل الدولي ونقل التكنولوجيا.
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه تونس تحديات بيئية متزايدة، من بينها سنوات الجفاف المتكررة، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع الطلب على الطاقة، وهي معطيات تجعل ملف المناخ في قلب التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والسيادية للبلاد خلال السنوات المقبلة.



