الرئيسيةآخر الأخبارلماذا تراجعت الرياضيات في تونس؟ دراسة تكشف أزمة منظومة تعليمية تهدد النمو...

لماذا تراجعت الرياضيات في تونس؟ دراسة تكشف أزمة منظومة تعليمية تهدد النمو الاقتصادي

لم تعد أزمة الرياضيات في تونس مجرد تراجع في نتائج الامتحانات أو صعوبة يواجهها التلاميذ في استيعاب مادة أساسية، بل تحولت إلى مؤشر يكشف اختلالات أعمق داخل المنظومة التعليمية، وانعكاسات مباشرة على قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الكفاءات. فخلف الأرقام المتراجعة في التقييمات الدولية تختبئ فجوة متزايدة بين سنوات الدراسة التي يقضيها التلميذ التونسي وبين المهارات الحقيقية التي يكتسبها، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف فقدت الرياضيات مكانتها في المدرسة التونسية، ولماذا أصبح ضعفها يمثل عائقاً أمام التنمية؟

وتكشف دراسة استراتيجية أنجزها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بعنوان «الرياضيات في قلب التنمية في تونس: التشخيص، الرهانات واستراتيجية الإصلاح» أن تراجع مستوى هذه المادة لا يرتبط فقط بطرق التدريس أو البرامج التعليمية، بل يمتد تأثيره إلى اختيارات التلاميذ الجامعية، سوق الشغل، الإنتاجية الاقتصادية، وحتى القدرة التنافسية للبلاد. واعتمدت الدراسة على مقاربات دولية تربط بين جودة التعلمات والمهارات المعرفية وبين النمو الاقتصادي، لتخلص إلى أن أزمة الرياضيات أصبحت أحد مظاهر أزمة جودة التعليم في تونس.

تونس تخسر سنوات من التعليم بسبب ضعف جودة التعلم

وأظهرت الدراسة أن تونس سجلت سنة 2015 معدل 384 نقطة فقط في تقييم المهارات الرياضية، مقابل 411 نقطة كمعدل للدول ذات الدخل المتوسط، وهو ما يعكس فجوة كبيرة في جودة المخرجات التعليمية.

وأكدت الدراسة أن هذا الضعف يعني عملياً أن التلميذ التونسي يفقد ما يعادل 4.1 سنوات من التعليم الفعلي بسبب ضعف جودة التعلمات، أي أن جزءاً مهماً من سنوات الدراسة لا يتحول إلى مهارات حقيقية قابلة للاستثمار في سوق الشغل.

ويقارن التقرير بين تونس ودول تتصدر الترتيب العالمي في جودة التعليم مثل اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية ودول شمال أوروبا، حيث نجحت هذه الدول في بناء أنظمة تعليمية ترتكز على الكفاءة والقدرة على حل المشكلات وليس فقط على حفظ المعارف.

فجوة بين مستوى الرياضيات والإنتاجية الاقتصادية

وأبرزت الدراسة وجود علاقة مباشرة بين ضعف المهارات الرياضية وتراجع الإنتاجية، مشيرة إلى أن تونس تسجل 384 نقطة في تقييم المهارات المعرفية مقابل إنتاجية عمل تقدر بحوالي 14.258 دولاراً للفرد، في حين تحقق سنغافورة، التي تسجل حوالي 575 نقطة في التقييم نفسه، إنتاجية تصل إلى 222 ألف دولار.

وخلصت الدراسة إلى أن الطفل التونسي لا يستطيع بلوغ سوى حوالي 52 بالمائة من قدراته الإنتاجية الممكنة، معتبرة أن السبب الرئيسي لا يعود إلى حجم البرامج الدراسية، وإنما إلى ضعف جودة التعليم وطرق اكتساب المهارات الأساسية.

ضعف الرياضيات يكلف الدولة والعائلات مئات الملايين

وحسب الدراسة، فإن تراجع مستوى الرياضيات ينعكس على أربعة مجالات رئيسية:

  • ارتفاع نسبة بطالة أصحاب الشهائد العليا، حيث يساهم ضعف التكوين في هذا المجال في بلوغ نسبة البطالة بينهم 24.9 بالمائة.
  • خسارة اقتصادية تقدر بـ 9.7 مليون دينار سنوياً من القيمة المضافة غير المنتجة.
  • إنفاق العائلات التونسية حوالي 500 مليون دينار سنوياً على الدروس الخصوصية في الرياضيات، وفق معطيات سنة 2025.
  • تخصيص ما يقارب 11 مليون دينار من ميزانية وزارة التربية لسنة 2026 في علاقة بالإشكالات المرتبطة بتدريس المادة.

20 سنة من التراجع في التصنيفات الدولية

وبيّنت الدراسة أن تونس لم تتمكن خلال الفترة الممتدة بين 1999 و2019 من بلوغ المعدل العالمي في تقييم الرياضيات، حيث تراجع معدلها من 448 نقطة سنة 1999 إلى 389 نقطة سنة 2019، أي أقل بـ 111 نقطة من المعدل العالمي.

وفي المقابل، تتجاوز نتائج دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان معدل تونس بأكثر من 200 نقطة.

كما سجلت تونس تراجعاً في تقييم المهارات المعرفية، إذ انخفض المعدل من 388 نقطة سنة 2012 إلى 367 نقطة سنة 2015، لتحتل المرتبة 65 من أصل 70 دولة في هذا التصنيف.

أكثر من 80 بالمائة من تلاميذ السادسة ابتدائي دون مستوى مقبول في الرياضيات

وكشفت الدراسة أن أزمة الرياضيات تبدأ منذ السنوات الأولى من المسار الدراسي، حيث لم يتحصل 81.2 بالمائة من تلاميذ السنة السادسة ابتدائي في امتحانات سنة 2025 على معدل محترم في المادة.

ومن بين هؤلاء:

  • 53.3 بالمائة تحصلوا على معدل يساوي أو يقل عن 5 من 20.
  • 15.6 بالمائة تحصلوا على صفر في الرياضيات.

كما بلغت نسبة التلاميذ الذين لم يبلغوا المعدل في الرياضيات في السنة التاسعة أساسي حوالي 66.6 بالمائة خلال السنة نفسها.

الشعب العلمية تدفع ثمن ضعف الرياضيات

وأكدت الدراسة أن تدني مستوى الرياضيات انعكس مباشرة على اختيارات التلاميذ للشعب العلمية، التي تشهد تراجعاً واضحاً في الإقبال عليها.

وسجلت الدراسة انخفاضاً في عدد التلاميذ في عدد من المسارات:

  • شعبة الاقتصاد والتصرف: تراجع بنسبة 19 بالمائة.
  • الشعبة التقنية: تراجع بنسبة 28 بالمائة.
  • شعبة الإعلامية: تراجع بنسبة 29 بالمائة.
  • شعبة العلوم التجريبية: تراجع بنسبة 39 بالمائة.

ورغم أن تلاميذ شعبة الرياضيات يحققون معدلات أفضل في المادة تصل إلى حوالي 70 بالمائة، فإن الإقبال عليها تراجع بشكل كبير، إذ انخفضت نسبة اختيارها من 18 بالمائة سنة 2001 إلى حوالي 6 بالمائة سنة 2025.

وفي المقابل ارتفع الإقبال على شعبة الاقتصاد والتصرف من 20 بالمائة إلى 33 بالمائة خلال الفترة نفسها.

كما تتوقع الدراسة انخفاض عدد المترشحين لشعبة الرياضيات من 16.537 تلميذاً سنة 2012 إلى حوالي 8000 تلميذ سنة 2026، مع وجود تفاوت في اختيار هذه الشعبة حسب مناطق الولادة والوسط الاجتماعي.

أزمة الرياضيات… أزمة خيارات لا أزمة مادة فقط

وتخلص دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى أن تراجع الرياضيات في تونس يعكس أزمة أعمق مرتبطة بجودة المنظومة التعليمية، وغياب الاستثمار الكافي في المهارات الأساسية التي أصبحت اليوم معياراً رئيسياً للتنافسية الاقتصادية.

فالمشكل، حسب الدراسة، لا يكمن فقط في عدد ساعات تدريس الرياضيات أو حجم البرامج، بل في قدرة المدرسة التونسية على تحويل المعرفة إلى مهارات عملية تساعد الأجيال الجديدة على الاندماج في اقتصاد يعتمد أكثر فأكثر على التكنولوجيا والابتكار.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى